سوريا بين الدولة والنظام.. ماذا يريد الشعب من الجولاني؟
محسن عوض الله
لم تكن هتافات “الشعب يريد إسقاط الجولاني” التي ظهرت خلال الاحتجاجات الأخيرة على أزمات الوقود وارتفاع الأسعار مجرد اعتراضٍ على سعر البنزين أو المازوت، حتى مع وجود مقاطع قديمة جرى تداولها باعتبارها من الاحتجاجات الأخيرة.
وراء الغضب المعيشي سؤال أكبر: ماذا يريد السوريون من الدولة التي يفترض أنها تتشكل بعد سقوط بشار الأسد؟
السوريون لم يدفعوا كل هذا الثمن من دمائهم وأعمارهم واستقرارهم كي يسقطوا الدولة، وإنما كي يستعيدوها. يريدون دولة مختلفة عن تلك التي عرفوها طوال عقود؛ دولة لا تختزل الوطن في الحاكم، ولا تجعل الأمن مرادفًا للخوف، ولا تحول الاختلاف في الهوية أو الرأي إلى سبب للعقاب.
وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام أحمد الشرع.
فإسقاط الأسد لم يكن تفويضًا مفتوحًا لإعادة إنتاج طريقته في الحكم بأسماء جديدة. وإذا كانت السلطة الجديدة قد نجحت في قطع شوط مهم نحو توحيد المؤسسات ودمج قسد ضمن مؤسسات الدولة، فإن السؤال لم يعد فقط: من يسيطر على الأرض؟ وإنما: ماذا ستفعل السلطة بهذه السيطرة؟
فالخريطة يمكن توحيدها باتفاق أو تسوية، وربما بالقوة، أما الدولة فلا تُبنى بهذه الأدوات وحدها.
الدولة التي ينتظرها السوريون هي التي تجعل القانون مرجعًا للجميع، وتحمي المواطن بصرف النظر عن قوميته أو دينه أو طائفته أو منطقته، وتمنحه فرصة أن يعيش ويعمل ويختلف دون أن يبحث عن حماية خارج مؤسساتها.
وهنا لا ينتهي ملف قسد بمجرد دمج السلاح.
فالأسئلة الكردية المتعلقة باللغة والتعليم والحقوق الثقافية والتمثيل السياسي والإدارة المحلية ستبقى قائمة، كما ستبقى قضية السويداء وغيرها من المناطق اختبارًا لعلاقة المركز بالأطراف.
دمشق أمام خيار واضح: أن ترى الوحدة باعتبارها خضوع الجميع للمركز، أو أن تجعلها إطارًا يتسع لاختلاف السوريين.
الفرق بين الدولة والنظام يبدأ من هنا. فالنظام يعتبر السلطة غايته، أما الدولة فالمفترض أن تكون السلطة فيها وسيلة. ولهذا فإن تغيير الوجوه وحده لا يكفي، كما أن السيطرة على المؤسسات لا تعني بالضرورة بناء مؤسسات يشعر المواطن بأنها ملكه.
السوري الذي خرج من الحرب لا يريد وعودًا كبيرة بقدر ما يريد حياة طبيعية: أمنًا لا يخيفه، وقانونًا لا يميز بينه وبين غيره، وخدمات وفرصة عمل، وحقًا في أن يقول ما يعتقده دون أن يتحول إلى خصم للدولة.
وهنا تكمن المعركة الأصعب أمام الشرع.
قد تكون دمشق اقتربت من استعادة الخريطة، لكن استعادة الدولة شيء آخر. الدولة لا تستقر بالقوة وحدها، وإنما بالثقة، وهذه لا يصدر بها مرسوم.
الشعب يريد..
لكن هذه المرة لا يريد إسقاط الدولة بل يريد دولة لا تعيد إنتاج النظام الذي أسقطه، بل تبني سوريا التي دفع ثمنها غاليًا من دمائه وأمواله. فهل يعي الجولاني الدرس ويفهم ماذا يريد الشعب حقا؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.