NORTH PULSE NETWORK NPN

معتقل سابق لدى داعش يروي تفاصيل اختطاف 150 مدنيا في حافلات كانت متجهة من كوباني إلى الحسكة

نورث بالس

في العشرين من أيلول 2013، بدأت الاضطرابات في مدينة تل أبيض، التي كانت العديد من الفصائل العسكرية تتقاسم السيطرة عليها، ولم يكن لتنظيم داعش حينها نشاط عسكري كبير، كان وجوده محصوراً بمجموعات دينية صغيرة غالبيتهم مهاجرون تمكنوا من التسلّل إلى المجتمع المحلي، قادمين من تركيا بكلّ الوسائل الإغرائية ومحاكاة عواطف الناس مستغلين بطش النظام، وفوضى السلاح والانشقاقات المتتالية ضمن الجماعات المسلحة التي كانت تقاتل نظام حكم الرئيس السوري بشار الأسد تحت راية الجيش الحر، تمكن تنظيم داعش من القضاء على كل الجماعات المسلحة ، وضمها لصفوفه، حيث نبت تنظيم داعش على أكتاف الجيش الحر.

الحرب الأولى ضد الكرد، جرت للانتقام من المدنيين في تل أبيض ( تفاصيل ) حين تم اعتقال الشبان، وتهجير النساء والأطفال وكبار السن باتجاه الحدود التركية، لتسجل أوائل حملات التطهير العرقية بطرد الآلاف من العوائل الكردية من مدينتهم وقراهم، استكمالاً لما كان النظام السوري يقوم به ولتبدأ حرب شاملة، انتهت في مرحلتها الأولى باحتلال العشرات من القرى الكردية غربي المدينة من قبل تحالف فصائل الجيش الحر مع جبهة النصرة مع داعش، وهدأت الأوضاع في تل ابيض بعد تهجير كل أكرادها.

تمكن تنظيم داعش من الإحاطة بمدينة كوباني من الجهات الثلاث ، غربا في بلدة الشيوخ، جنوبا في بلدة صرين، وشرقا في بلدة تل أبيض وباتت كل الطرقات مغلقة ، وفرض داعش حصاره الخانق على كوباني التي كان يقطنها قرابة نصف مليون نسمة . وظل عناصر التنظيم يخوضون حرب كر وفر، ويشنون هجمات متقطعة بوتيرة متفاوتة على الجبهات الثلاث .

حرب داعش الشاملة شنها على كوباني في 15 أيلول / سبتمبر 2014 وهي كانت استكمالا للحرب التي أعلنتها فصائل الجيش الحر، وداعش ( قبل انقلاب التنظيم عليهم ) والتهديد بأنهم سيصلّون العيد في جوامعها، حيث ظهر أئمة أحد المساجد في مدينة جرابلس وهو يتوعد بغزو كوباني، وأنّ الدماء ستسيل في الشوارع، وستغرق المدينة.

 

تحالف ( داعش، الجيش الحر ، جبهة النصرة ..) أعلن عبر بيان وقعه ( 21 فصيل مسلح ) فرض حصار على مدينة كوباني في نيسان 2014 شمل قطع الكهرباء، والماء، والغذاء والدواء وحليب الأطفال، ومنع حركة السيارات منها وإليها، مع تنفيذ هجمات على القرى والبلدات الواقعة على خطوط التماس، بالإضافة إلى اعتقالات شملت العشرات من المدنيين، والموظفين والأطفال لايزال غالبهم إلى الآن مفقوداً

.الميليشيات التي حاصرت كوباني ، كانت تسمح كل فترة بعبور المدنيين بإتجاه حلب أو الرقة أو الحسكة ، ولكن كانت تطلب من المغادرين عدم العودة ، وكانت تلك فرص الراغبين بالسفر بغرض العمل او الدراسة او تنفيذ أيّة إجراءات حكومية وبشكل خاص في مدينة حلب ، لكنه سرعان ما بدأ ( الجيش الحر ، داعش ) ينفذ اعتقالات واسعة للمواطنين الراغبين بالعبور عبر حواجزها على جسر قراقوزاق أو جسر جرابلس أو على الطريق M4 بإتجاه الحسكة أو الرقة.

 

بتاريخ 29 مايو / أيار عام 2014 قام التنظيم باعتقال 205 طالبا تتراوح أعمارهم بين 14 إلى 16 سنة، حين كانوا عائدين إلى بيوتهم في كوباني، قادمين من مدينة حلب بعد تقديمهم امتحانات الشهادة الإعدادية ، حيث تعرض الطلاب، للتعذيب على يد مقاتلي تنظيم “داعش” الذين احتجزوهم خلال عودتهم من المدرسة. وأجبر الطلاب على مشاهدة مقاطع فيديو لقطع رؤوس كما تم ضربهم بأسلاك.

بتاريخ 7 أيار / مايو، 2014 اختطف داعش مجموعة من مدرسي كوباني ( 16 معلما ) أثناء عودتهم من مدينة حلب، كانوا قد سافروا لقبض رواتبهم المتراكمة، حيث أن النظام السوري أوقف إرسال رواتب المدرسين إلى كوباني، اضطر هؤلاء، مدفوعين بظروفهم المعيشية الصعبة إلى السفر إلى حلب، والمخاطرة بالمرور من مناطق سيطرة داعش، وأثناء العودة، أوقف أحد حواجز داعش على جسر قره قوزاق، السيارات التي كانت تقل المدرسين وموظفي البلدية، واختطفوهم.

 

18 شباط 2014 اعتقل تنظيم داعش 150 شابا كانوا متجهين في حافلات من مدينة كوباني إلى الحسكة ، للسفر باتجاه إقليم كردستان بغرض العمل أو الدراسة.

 

نروي في هذا الجزء تفاصيل اعتقال الـ 150 شابا ، عبر لقاء أجريناه مع أحد الذين تم الإفراج عنهم ، وهو واحد من 17 شخصا تمكنوا من النجاة من تلك المجموعة ، فيما البقية مازال مصيرهم مجهولا ، لكن المعلومات التي تمكنا من الحصول عليها عبر الاتصال بقوات سوريا الديمقراطية التي ترجح أنّ التنظيم قام بإعدام هؤلاء على فترات، لكن لم يتم التأكد من ذلك بشكل قاطع.

 

محي الدين مسلم ، من مواليد قرية عين البط جنوب كوباني بـ 10 كم ، 1980 ، كان من ضمن ( المعتقلين ) يروي قصته :

 

” في يوم الأربعاء 17 شباط 2014 كنت قد اتخذت قرار التوجه إلى إقليم كردستان العراق، بغرض العمل، خاصة وأنّ الأوضاع في سوريا كانت تتجه نحو المزيد من التأزم، والتعقيد في ظل غياب فرص وقف القتال وتحقيق السلام….كانت خطوط المواصلات من مدينة كوباني إلى مدينة الحسكة تمر عبر ريف الرقة، حيث ينتشر مسلحون من تنظيم الدولة الإسلامية، المتحالفين مع الجيش الحر وكانت حواجزهم في كل مكان. لكن سائقي الحافلات ( الميكرو باصات ) أخبرونا أنّهم يمرون كل يوم ذهابا وإيابا بدون أي مشاكل عبر طرق ترابية، ومرورا ببعض من تلك الحواجز، وأنّهم يدفعون لهم المال ( الرشوة ) في كل حاجز”.

يضيف محي الدين مسلم، وهو واحد من اصل ( 150 مدنيا ) تم اختطفاهم في ذلك اليوم : “انطلقنا من كراج كوباني فجرا، بحدود الساعة 5 صباح يوم 18 شباط 2014 وكان عدد ( الميكرو باصات) التي انطلقت من كاراج كوباني ( 12 حافلة )، انطلقتا جوالي الخامسة صباحا… الساعة 09.30 وصلنا إلى منطقة ( المبروكه ) وقال السائق : تلك هي الصوامع تم تشيدها من أيام الحرب العالمية وقال بإنّ عناصر داعش حولوها لمقر عسكري، وهي خاضعة لسيطرتهم…. توقف السائقون ، طلبوا منا اكمال طريقنا سيراً على الأقدام، لبعضة كيلو مترات لتجنب المرور عبر أحد حواجز التنظيم -وهذا لم يكن ضمن ما أخبرونا به قبل السفر- …. مرت دقائق، ونحن مانزال نجهز أنفسنا للسير، وفجأة تمت محاصرتنا بعدد من المسلحين، وهم يطلقون شعارات ( تكبير، الله أكبر…) مع رشقات كثيفة من الرصاص يطلقونها في الهواء…..كان شعورا لا يوصف ، مزيج من الخوف والرعب والهلع ، وكان معنا أطفال ونساء بدؤا بالبكاء….، طلب المسلحون تعزيزات عبر اللاسلكي، وكانوا يتحدثون بلغة عربية ركيكة ( بلجهات غريبة عنا ) ( لاحقا عرفت أنّ بعضهم من المغرب ) اتهمونا بأنّنا مقاتلين متنكرين بزي المدنيين، وقال بعضهم إنّ ( ب ك ك ) يرسلنا إلى كردستان بغرض التدريب، للعودة وقتالهم أو محاربة إخوانهم في العراق… حاولنا اقناعهم أنّنا مدنيون، خرجنا من مدننا وتركنا أهلنا ورائنا بحثا عن لقمة العيش دون جدوى… كانوا يحتفلون بالشعارات، وإطلاق الرصاص وكأنّنا صيد ثمين وقع في يدهم، وكأننا ضحية قاموا باصطيادهم لذبحها….

 

وقال:( حاول سائقو الحافلات الحديث معهم، وإخبارهم إنّه لا علاقة لنا بأيّة تنظيمات عسكرية، لم يقبلوا الانصات، تم تهديدنا بالإعدام ميدانيا، وأن نكف عن المزيد من الكذب …)

 

أضاف “بقينا حوالي نصف ساعة ، حتى وصل المزيد من عناصر داعش، قاموا بربط أعيننا وانتظرنا حتى حل الظلام، طلبوا منا المشي في طابور باتجاه إحدى مقراتهم، لم نكن نعرف شيئا، كنا خائفين، مرعوبين…. كانت تهديداتهم لا تتوقف، وهم يضحكون، ( سنذبحكم أمام الكاميرا، ستتمنون الموت، انتم خنازير، مرتدون، كفرة… ) لم نكن نجرؤ على رفع رؤوسنا حيث طلبوا أن نطأطئها في الأرض أثناء المشي، كانوا يضربوننا بشكل عشوائي، وكان صوت إطلاق الرصاص يتردد كل فترة، يبدو أنّهم كانوا يقومون بالفعل بالإعدامات”.

 

قال “وصلنا إلى أحد مقراتهم، وماتزال أعيننا معصوبة، ادخلونا لسجن يبدو أنّهم اعدوه على عجل بحراسة شديدة، بقينا 3 أيام بدون طعام، أو أغطية….بحلول يوم الجمعة 20 شباط 2014، قاموا بنقلنا وأعيينا معصوبة، كان الكرباج لا يتوقف الكرباج أكل جلودنا….تجرأت ورفعت رأسي، من خلال فتحة قماشة تعصم عيني شاهدت كيف أنّ عناصر من داعش كانوا يضربون بشكل وحشي 3 من الشبان الذين كانوا برفقتنا….”

الرقة….وبعد مسيرة سفر استمرت قرابة 5 ساعات ، توقف الباص ، كانت حركة مسلحي داعش كثيفة ، لكن ملامحهم وتصرفاتهم تغييرت ، وباتوا خائفين … ينظرون دائما للسماء وأن يتم قصفهم بإحدى طائرات التحالف ….تم وضعنا في أحدى الأقبية ضمن بناء ، تمكنت من معرفة أنّنا أصبحنا في مدينة ( الطبقة \ الرقة ) …وفي الصباح جاء الحارس وأخبرنا بإنّه سيتم نقلنا لمكان آخر.. قلت في نفسي سوف يأخذوننا إلى الموصل هذه المرة ، أو سيتم اعدامنا ….”

 

يضيف محي الدين ” جاء حارس آخر ، ونادا علينا كالتي ( كل الأكراد يجهزوا حالهم للمغادرة ) …..طلب مني بهدوء حمل كل أغراضي، مشينا نحو غرفة أخرى ، وأنا لا أعلم إن كانت جولة أخرى من التعذيب ، أم سيتم إعدامي ، أم نقلنا لمكان آخر ….. احتمالية إطلاق سراحي كانت صفر … دخلت غرفة ، كان هنالك شخصان أحدهم يحمل كاميرة والآخر يمسك أوراقا وقلما ( المحقق )، ادركت أنّه سيتم ذبحي وتصوير ذلك وعرضه على قنواتهم كما فعلوا لآخرين ، لكن لم يحدث شيء … سألني عن أسمي ، ومكان وتاريخ ولادتي …. وقاموا بالتقاط صورة لي، وأعادوني لنفس الغرفة ، وهكذا مع بقية المعتقلين الكرد ، حوالي الساعة 14.00، قام الحارس مجددا بأخذنا، واخراجنا من غرفة السجن إلى الساحة ، جاء المحقق وقال : الحمدلله على السلامة، سيتم إطلاق سراحكم ، بإمكانكم العودة إلى بيوتكم، لم أصدق.! كان شعورا لا يوصف ، وفرحة كبتناها …أعطونا كل شخص منا ( 10 الف ليرة سورية )، وورقة مغادرة عليها صورنا…ركبنا الحافلات وأخذونا على الكراج ، وبالفعل أخلوا سبيلنا هناك بتاريخ الأثنين 4 تشرين الثاني 2014 أي بعد 259 يوما قضيناها في 11 سجن تابع لداعش ، في 8 مدن.

المصدر: مركز توثيق الانتهاكات

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.