NORTH PULSE NETWORK NPN

لعبة الأمم اللامتناهية في الشرق الأوسط

لماذا يتم لعب القسم الأعظم من أشواط “لعبة الأمم” القذرة واللامتناهية في الشرق الأوسط وليس في مكان آخر؟ هل هو الحظ أم لعنة الكبار التي حلت على هذه المنطقة؟

من يقرأ كتاب “لعبة الأمم” الصادر سنة 1969 لمؤلفه مايلز كوبلاند، وقد كان ضابطا في وكالة المخابرات المركزية الأميركية في ذلك الوقت، سيكتشف بسهولة بعيدة عن التصديق الأعمى لكل ما ورد في متن الكتاب من سرد وتحليل للأحداث، بأن مهد لعبة القادة العالميين والإقليميين التي تمت وتتم باسم “الأمم” كان الشرق الأوسط الذي لا يزال مركز وبؤرة هذه اللعبة التي لم تكن نتائجها إلاّ وبالا على المنطقة برمتها وفرجا وقتيا وإستراتيجيا على مخططي اللعبة ومنفذيها ومموليها. والكتاب يغطي الأحداث والتطورات الساخنة في الشرق الأوسط التي جرت بين عامي 1946 و1967.

ومن يمعن النظر في النزاعات والمواجهات الدبلوماسية والعسكرية الراهنة التي يتخم بها الشرق الأوسط ستنجلي أمامه مجموعة من الحقائق، من هذه الحقائق حقيقة أن لعبة الأمم ما زالت تُحاك وتُصمم وتنفذ في جزئها الأعظم في الشرق الأوسط دون غيره، لا بل هي الآن تعيش ذروة الذروة وأوج التصعيد. فالأميركان في العراق ضد إيران ظاهريا، والعكس صحيح. والأميركان في سوريا للتشويش على روسيا وإيران ظاهريا، والعكس صحيح. والأميركان في البحر الأحمر، ظاهريا، للجم الحوثيين الموالين لطهران.

بالمقابل، روسيا في سوريا ومنها تمد الجذور إلى بقية أنحاء المنطقة نكاية بالأميركان، ومحاولة منها لاستعادة بعض من أمجادها الغابرة أيام الاتحاد السوفييتي السابق أملا في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وتركيا في العراق وسوريا وليبيا وقطر لإزعاج المنافسين. وإسرائيل تقصف المواقع الإيرانية في سوريا مباشرة وفي إيران بشكل غير مباشر بواسطة العملاء. وإيران تؤلب أذرعها؛ حماس في غزة وحزب الله في لبنان ضد تل أبيب، وتستخدم ميليشياتها الشيعية في العراق ضد القواعد الأميركية في سوريا والعراق. والكُرد في كردستان العراق وكردستان سوريا يتظاهرون بالاستقواء والاحتماء بالأميركان الذين باعوا الكُرد في مزادات السياسات الدولية أكثر من مرة في الماضي البعيد وحتى وقت قريب.

يقتبس الكاتب مقولة للأدميرال سويرز الذي كان يشغل منصب مدير المخابرات المركزية الأميركية في وصف هذه المواجهات أو الحروب غير المباشرة وعبر الوكلاء “الحرب التي هي ليست بالحرب”. وهي تحدث بعلم وموافقة جميع المنخرطين في اللعبة من أجل تجنب خوض الحروب العظمى المباشرة بين اللاعبين الرئيسيين تفاديا للخسائر والتكلفة وكذلك لعواقب من الصعب التنبؤ بها.

كذلك يستشهد الكاتب بما قاله زكريا محيي الدين 1918 – 2012، وكان واحدا من أبرز أعضاء تنظيم “الضباط الأحرار” في مصر وتولى عدة مناصب سياسية مثل رئيس وزراء ونائب رئيس الجمهورية وأول رئيس للمخابرات العامة بعد انقلاب 23 تموز – يوليو 1952، خلال محاضرة ألقاها على طلبة الكلية الحربية المصرية في أيار – مايو 1962 “إن هدف اللاعبين في ‘لعبة الأمم’ هو المحافظة على استمرار اللعبة.. وتوقفها يعني الحرب حتما”.

واستمرار اللعبة هنا يعني استمرار حروب الوكالة على أراضي الآخرين، وعلى حساب أمن الآخرين المغلوبين على أمرهم وسلامتهم وحياتهم، تفاديا للحروب المباشرة بين اللاعبين الرئيسيين والتي قد تنتقل إلى أراضيهم. فلعبة الأمم هنا تعني تواجد القوى العظمى العالمية والإقليمية في معظم البقاع الملتهبة من العالم حفاظا على مصالحها القديمة ومحاولة منها لخلق مصالح جديدة، حتى إذا تطلب ذلك تخطيط مواجهات غير مباشرة وتنفيذها بين الكبار وعن طريق الوكلاء، شريطة حدوثها على أراضي الآخرين الضعفاء الذين قبلوا طواعية أو كرها بشروط لعبة الأمم الظالمة. كما أنها تعني موافقة اللاعبين الكبار واستحسانهم بشكل متفاوت وحسب قوة المنخرطين كل على حدة حول قواعد اللعبة وأسسها والتي لا تجني منها شعوب المنطقة سوى المزيد من الكوارث.

ويتم تنفيذ كل ذلك إما عن طريق الحكومات الموالية التي تحتمي وتستقوي بتلك القوى العظمى الدولية والإقليمية، أو عبر أذرع ولاعبين غير حكوميين كالحوثيين في اليمن وميليشيات الحشد الشيعي في العراق وحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين الذين يعملون لصالح الأجندات الإيرانية، وكفصائل المعارضة السورية المسلحة وجناحها السياسي، الائتلاف السوري المعارض، الذين يعملون لصالح الأجندات التركية في سوريا والمنطقة عموما.

وإذا كان مبدأ ترومان الذي ظهر في آذار 1947 وجوهره احتواء التوسع الجيوسياسي السوفييتي خلال الحرب الباردة يعتبر الأساس الذي استندت عليه “لعبة الأمم”، وكان من نتائجه الإشراف على خلع الملك فاروق في مصر عام 1952، والتنسيق مع محمد نجيب وجمال عبدالناصر في إكمال الانقلاب، بالإضافة إلى عملية “أجاكس” الأميركية التي أطاحت بحكومة محمد مصدق في إيران سنة 1953، فإن مبدأ أيزنهاور 1957 والذي دعا إلى أن تملأ الولايات المتحدة الفراغ الاستعماري الذي تركته بريطانيا وفرنسا، وتوفير المساعدات الاقتصادية والعسكرية لكافة البلدان التي أرادت حماية نفسها من التمدد السوفييتي، اعتبر بمثابة عملية ضخ دماء مستمرة في شرايين هذه اللعبة.

لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وحلفائه تباعا في أوروبا الشرقية ابتداء من عام 1989 وانتهاء بتفكك الاتحاد السوفييتي نفسه في كانون الأول – ديسمبر 1991، وبالتالي خمود الحرب الباردة، وليس انتهاءها كليا كما يتوهم البعض، لم تتوقف “لعبة الأمم”، لا بل اشتدت وتيرتها وحدّتها وتبين أن هذه اللعبة لا نهاية لها، وأن صيرورتها وديمومتها مرتبطتان بطبيعة الإنسان وماهيته والقادة والسياسة والعلاقات الدولية معا، والتي حولت البشرية جمعاء إلى غابة متحضرة شكليا ومتوحشة جوهريا.

ويدفعنا هذا المشهد الدولي الحالي غير المألوف في الشرق الأوسط؛ الكئيب والمكتظ بتزاحم وتنافس دولي وإقليمي غير مسبوق في اللاأخلاقيات للاستشهاد بمقولتين شهيرتين للفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، الأولى “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، والثانية “حرب الجميع على الجميع”، حيث الكل يحارب الكل بذريعة البقاء والفزع من نوايا الآخرين المضمرة، وعندها تعم الفوضى وقانون الغاب الدولي؛ القوي يريد ابتلاع الضعيف وإن لم يستطع، يردعه ويلجمه بهدف الإخضاع.

ويبقى السؤال: لماذا يتم لعب القسم الأعظم من أشواط هذه اللعبة القذرة واللامتناهية في الشرق الأوسط وليس في مكان آخر؟ هل هو الحظ أم لعنة الكبار التي حلت على هذه المنطقة، أم لعنة العقل الذاتي المصاب بها قاطنو المنطقة التي تجعلها رخوة وسهلة الانقياد من قبل الآخرين الأقوياء الذين لا يكترثون لشيء سوى المصالح، والتي لا تتحقق سوى عن طريق إضعاف الآخرين وإنهاكهم بابتلائهم بالحروب البينية والأهلية وغير ذلك من الدسائس والمؤامرات، التي يشترك المحليون في نسجها وإتمامها ويتحملون وزر ذلك حتى أكثر من القادمين من وراء المحيطات، أم أن الجواب الصحيح نسبيا يكمن في جميع الأسباب والاحتمالات المذكورة أعلاه؟

المصدر: صحيفة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.