✍️ د. فرات ناصر الناصر
من النادر أن يجتمع السوريون، بمختلف أطيافهم الفكرية والسياسية والطائفية، على موقف واحد. في التاريخ السياسي المعاصر، لم يلتقِ اليمين مع اليسار، ولا الإسلاميون مع خصومهم، ولا الأقليات مع الأكثرية، إلا في لحظة مواجهة سلطة فقدت جدواها. هذا ما يحدث اليوم مع “حكومة الشرع” في دمشق، التي تحولت في غضون أشهر إلى عبء سياسي وأخلاقي على الداخل السوري، وصار يُجمع على رفضها الطيف الوطني كله، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن الإسلاميين إلى القوى المدنية، ومن عامة الشعب إلى النخب المثقفة.
سياسة بلا جدوى وخيانة بغطاء “الدهاء”
ثمانية أشهر فقط كانت كافية لفضح طبيعة هذه السلطة. جلست حكومة الشرع مع الإسرائيليين سبع مرات، لم تنتزع خلالها ورقة تفاوضية واحدة، ولم تُسجل أي نقطة لصالح سوريا، بل خرجت لتسوق للشعب أن ذلك من “دهاء السياسة”. في الواقع، لم يجرؤ حتى نظام البعث – بكل فساده واستبداده – أن يقدم في سنواته الأولى ما قدمته هذه الحكومة من تنازلات وخيانات علنية. ومن المفارقة أن تُرتكب هذه الأفعال باسم “المصلحة الوطنية” بينما هي في حقيقتها تقويض للسيادة وتفريط بالقرار الوطني.
فساد داخلي وفشل مؤسسي
إذا كانت السياسة الخارجية قد كشفت هشاشة النظام، فإن الداخل السوري عرى فشله أكثر. مجازر ارتكبتها قوات النظام وميليشياته، صدمت حتى الرأي العام الدولي المعتاد على مشاهد الدم السوري. فساد فاحش تجاوز المألوف، وتعيينات مبنية على المحسوبية العائلية والطائفية: رئيس الوزراء يجلس مع شقيقه في مجلس الوزراء، وزير دفاع لم يدرس العلوم العسكرية، يعيّن بدوره شقيقه رئيساً للأركان، قضاة لم يدرسوا القانون إلا عبر دورة شرعية لا تتجاوز أسبوعين، ورجال دين يديرون وزارات سيادية. هذه المشاهد لا تعكس إلا انهياراً تاماً في الدولة، وتحول مؤسساتها إلى واجهات شكلية بيد عصبة ضيقة.
هيمنة طائفية وتفكك اجتماعي
النظام لم يكتفِ بالفساد، بل عمّق الانقسام الطائفي إلى درجة خطيرة. طلاب من طائفة معينة مُنعوا من التعليم في جامعات الدولة على يد طلاب آخرين ينتمون لطائفة مهيمنة، في مشهد يعكس عنصرية بنيوية وتفككاً اجتماعياً. الأخطر أن السلطة تشرعن العنف الطائفي، حين يخرج رأس الدولة ليشكر مليشيات أهلية مسلحة غير شرعية على ارتكابها جرائم بحق مواطنين سوريين بذريعة “مساعدة الدولة” في السيطرة على مناطق معينة. إنها سلطة تشجع الفوضى وتكافئ المجرمين، وتحوّل الدولة إلى غطاء للعنف الأهلي.
صورة الخارج: من التفاؤل إلى الانحدار
عندما أوهم دونالد ترامب العالم أنه رفع العقوبات عن سوريا مطلع العام، بدا أن عهد الشرع قد يفتح صفحة جديدة. تدفقت الاستثمارات من الخليج وتركيا، وبدت المدن السورية وكأنها تستعيد أنفاسها. حتى استطلاعات الرأي أظهرت تفاؤلاً عاماً بالمستقبل. لكن سرعان ما تبخر التفاؤل: النزعات السلطوية للشرع، وفشله في احتواء الانقسامات الطائفية، ومجازر الساحل والسويداء التي ارتكبتها قواته وميليشياته، كلها دفعت سوريا إلى أزمات أعمق. التدخل الإسرائيلي الأخير في السويداء ودمشق، بحجة حماية الأقليات الدرزية، جاء نتيجة مباشرة لهذا الفشل.
مركزية السلطة: استبداد بلا كفاءة
في إدلب، عندما كان الشرع حاكماً باسم المعارضة، أدار اقتصاداً نسبياً مزدهراً. لكنه حين انتقل إلى رئاسة الدولة، حمل معه النزعات القمعية: سجن المنتقدين، ركز السلطة بيد قلة من الموالين، اعتمد على القبائل السنية، وهمّش الأقليات. مؤيدوه يبررون ذلك بأن “التمثيل الواسع ترف لا تحتمله دولة ممزقة”، لكن النتيجة أن المركزية لم تنتج لا حوكمة جيدة ولا أمناً. على العكس، أنتجت فراغاً سياسياً خطيراً دفع المجتمع المدني اليوم إلى تنظيم معارضة جديدة، تضم قدامى معارضي الأسد وناشطين مدنيين، يطالبون بإصلاحات دستورية عاجلة تفتح المجال لتعددية سياسية ومجتمع مدني فعّال.
حتمية السقوط: قراءة في ميزان القوى
من منظور استراتيجي، يبدو أن حكومة الشرع لا تمتلك مقومات البقاء. ثمانية أشهر من السلطة لم تنتج إنجازاً سياسياً أو عسكرياً أو اجتماعياً. لا مشروع وطني، لا رؤية لإعادة بناء الدولة، ولا قدرة على استيعاب التعدد السوري. الأخطر أن النظام لا يدرك حجم انحداره: يتصرف كما لو أنه في صعود، فيما هو يقترب بسرعة من الهاوية. في ميزان التاريخ، سقوط مثل هذه السلطات ليس احتمالاً، بل حتمية. مراكز القرار العالمية، من واشنطن إلى بروكسل، بدأت تضع سيناريوهات ما بعد الجولاني/الشرع، وهو ما يعني أن سقوطه مسألة وقت لا أكثر.
ما العمل؟ نحو مشروع وطني جامع
إنقاذ سوريا اليوم يمر عبر الالتفاف حول تجربة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، بوصفها النواة الأكثر تنظيماً للعمل الوطني. هذه التجربة، رغم نواقصها، أثبتت قدرتها على إدارة التنوع، وبناء مؤسسات شبه مستقلة، وتحقيق قدر من الاستقرار. المطلوب هو تعميم هذه التجربة عبر تبني نموذج اللامركزية كخيار حتمي لا بديل عنه، لإنقاذ سوريا من حكم العصابات والميليشيات، وإعادة بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية لا على الولاءات الطائفية أو القبلية.
خاتمة: جرس إنذار لسوريا
ما يواجهه السوريون اليوم ليس مجرد حكومة فاشلة، بل سلطة تقود البلاد إلى الهاوية. ومع ذلك، فإن بروز معارضة مدنية منظمة، ووجود تجارب محلية ناجحة في الشمال الشرقي، يمثلان فرصة تاريخية لتصحيح المسار. الخيار اليوم واضح: إما استمرار الانحدار مع الجولاني وعصابته الحاكمة في دمشق، أو الالتفاف حول مشروع وطني لامركزي ينقذ ما تبقى من سوريا. والتاريخ لا يرحم من يصر على السير أعمى نحو الهاوية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.