عودة دمشق إلى الواجهة هل تُراهن العواصم الخليجية على درع الشام كقوة برّية بوجه إيران
في الوقت الذي تشتـ ـعل فيه سماء المنطقة بأزيـ ـز الطائرات الحـ ـربـ ـية والمسـ ـيّرات والصـ ـواريخ البـ ـالـ ـستية المتبادلة بين طهران وتل أبيب، ومع تصـ ـاعد التهـ ـديـ ـدات الإيرانية المباشرة لدول الخليج العربية التي طالت منشآت حيوية ومراكز مدنية في الرياض والدوحة ودبي وأبو ظبي والكويت والمنامة، بدأت تطفو على السطح ملامح استراتيجية عسـ ـكرية مغايرة تنتقل بالصـ ـراع من “حـ ـروب الأجـ ـواء” إلى “تثبيت الأرض”.
وتكشف معطيات استخـ ـبـ ـاراتية وتقاطعات سياسية عن تحركات جادة لإشراك وحـ ـدات من الجيـ ـش السوري الجديد —الذي تشكل من قـ ـوى المعـ ـارضة عقب سقـ ـوط نظـ ـام الأسد— في العمق الخليجي، ليكون ذراعاً برياً ضـ ـارباً في مواجـ ـهة التهـ ـديدات الإيرانية وتكتيكات الحـ ـرس الثـ ـوري.
عقيدة “الارتحال القتالي”
ويرى مراقبون عسكريون أن دول الخليج، التي تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة تراكمت عبر عقود من الصفقات الكبرى، لا تزال تواجه تحدي “الكتلة البشرية البرية” المدربة على حروب الجبهات المفتوحة والالتحام في المدن. وفي هذا السياق، تجد العواصم الخليجية في المقاتل السوري ضالتها المنشودة، لتبرز معها عقيدة “الارتحال القتالي” من تخوم الشام إلى رمال الخليج.
يؤكد الخبير الاستراتيجي في مركز الخليج للدراسات الأمنية، مشعل عبد الله السالم، أن الدول الخليجية ترى في الجندي السوري الذي صُقلت خبرته في ميادين المواجهة ضد النفوذ الإيراني ورقة رابحة، موضحاً أن هذا الجندي “يمتلك عقيدة قتالية عدائية تجاه إيران، وخبرة ميدانية تفوق الجيوش النظامية في مواجهة تكتيكات الحرس الثوري”.
المحرك الاقتصادي وكواليس “غرفة عمليات درع الشام”
وتشير معلومات استخباراتية مسربة إلى زيارة غير معلنة قام بها وفد عسكري واستخباراتي رفيع المستوى، ضم مسؤولين من السعودية وقطر، إلى العاصمة السورية دمشق مؤخراً. وبحسب المصادر، فقد عُقدت سلسلة اجتماعات مع السلطات السورية لمناقشة الخطط اللوجستية وآليات انتقال الجنود.
تركزت النقاشات حول تحديد قوام القوات المطلوبة، مع التركيز على مقاتلي النخبة من خلفيات فصائلية محددة (هيئة تحرير الشام، جيش الإسلام، أحرار الشام)، نظراً لخبرتهم الطويلة في قتال الميليشيات الشيعية وخلفياتهم الأيديولوجية المتوافقة مع دول الخليج. وتتضمن “خارطة الطريق” التي نوقشت إنشاء جسر بري عبر الأردن لنقل آلاف المقاتلين، مع رصد ميزانية ضخمة تضمن تقاضي الجندي الواحد مبلغاً يصل إلى 3000 دولار شهرياً.
وبحسب مراقبين، لا يعد هذا المبلغ مجرد راتب، بل هو “محرك اقتصادي” لدولة ناشئة تحت قيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً)، تسعى لتخفيف حدة الأزمة المعيشية عبر تصدير “فائض القوة العسكرية”.
الشرعية الإقليمية وغطاء “الدفاع العربي”
في هذا الصدد، يلفت السالم إلى أن حكومة دمشق الجديدة تسعى لاستخدام اتفاقية الدفاع العربي المشترك كغطاء قانوني لشرعنة هذا الوجود وتعزيز مكانتها الإقليمية، فلم تعد هذه القوات تتحرك كمليشيات عابرة للحدود، بل كقوات نظامية تحت مظلة رسمية. في محاكاة لمشاركة القوات السورية والعربية في حرب تحرير الكويت عام 1991.
من جهته، يرى الباحث في المنتدى الخليجي للحوار، نايف بن سعود العثمان، أن هذه الخطوة تضرب عصفورين بحجر واحد، فهي “تساهم في تثبيت شرعية القيادة السورية الجديدة كحليف موثوق للمنظومة العربية، وفي خلق توازن رعب بري يمنع إيران من التفكير في أي اجتياح أو عمليات تسلل حدودية”.
ويعتقد العثمان بأن “هذه الرؤية تتقاطع مع موقف واشنطن وتل أبيب اللتين لا تبديان اعتراضاً، بل تدفعان باتجاه الاعتماد على قوى محلية تتقن “لغة الميدان” لتقليل الحاجة لتدخل قوات غربية”.
المأزق التركي وتوازنات القوى
ورغم أن أنقرة كانت الحاضنة التاريخية لهذه الفصائل، إلا أن تقارير استخباراتية تشير إلى وجود “فيتو صامت” أو تحفظ تركي شديد خاصة فيما يتعلق بالفصائل ذات المكون التركماني، مثل “فرقة السلطان مراد”، و”لواء سليمان شاه” (العمشات)، و”فرقة الحمزة” (الحمزات).
وبحسب العثمان، فإن هذه الفصائل تحديداً تمتلك خبرة واسعة في القتال العابر للحدود كـ “قوات تعاقدية” (مرتزقة) في نزاعات سابقة في ليبيا وأذربيجان، وهو ما قد يجعلها الأكثر طلباً للمهمة الخليجية. إلا أن أنقرة، بحسب العثمان، تخشى أن يُفسر خروج هذه المجموعات بضوء أخضر منها على أنه “إعلان حرب تركي بوجوه سورية”، مما قد يفجر صداماً ديبلوماسياً وعسكرياً مباشراً مع طهران لا ترغب فيه أنقرة حالياً.
وفي هذا الصدد، يضيف السالم أن “القيادة التركية تخشى من فقدان أوراق الضغط التي تمتلكها داخل سوريا في حال تحول الجيش السوري الجديد إلى شريك مباشر للرياض والدوحة بعيداً عن الوصاية التركية”، خاصة في ظل احتمالية لجوء الدول الخليجية لقطع الدعم المالي عن حكومة الشرع في حال رفض الانخراط في المنظومة الأمنية الجديدة.
تحدي المؤسسة و”وصمة الارتزاق” في مواجهة التصعيد الشامل
بموازاة ذلك، يشير متابعون إلى أنه رغم محاولات الصبغة الرسمية، إلا أن تاريخ مشاركة بعض هذه القوات في نزاعات ليبيا وأذربيجان والنيجر يلقي بظلاله عليها. وينوه العثمان إلى أن “الطبيعة التعاقدية لهذه المهام تجعل من الصعب تصنيفها كجيش وطني تقليدي في هذه المرحلة”، مما يضع دمشق أمام تحدي التحول إلى “مؤسسة عسكرية” حقيقية أو البقاء كخزان للمقاتلين عند الطلب.
وفي الختام، يرى المحاضر في جامعة إربد الأردنية، الدكتور نبيل الصوالحة، أن مشروع نقل الخبرة القتالية السورية إلى جبهات الخليج هو انعكاس لواقع جيوسياسي جديد فرضته التحولات على دمشق، موضحاً أنه “بين رغبة الخليج في درع بري وطموح دمشق في الاعتراف الدولي، تبدو رمال المنطقة بانتظار طلائع القوات السورية، في خطوة قد تعيد رسم خريطة القوى في الشرق الأوسط، وتضع طهران أمام مواجهة مع عدو قديم في ساحة جديدة تماماً”.
ويستدرك الصوالحة محذراً من أن “دخول قوات سورية إلى منطقة الخليج، رغم شرعيته السياسية، قد يمنح طهران الذريعة التي تبحث عنها لتصعيد وتيرة القصف الصاروخي واستهداف العمق الخليجي تحت مسمى مواجهة تهديدات برية زاحفة، مما قد يؤدي إلى اشتعال المنطقة بشكل غير مسبوق، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات المواجهة الشاملة
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.