كارثة تكشف عمق الإهمال: دير الزور والرقة بين الفيضانات وتقصير السلطة الانتقالية
شهدت دير الزور والرقة خلال الأيام الماضية واحدة من أصعب المراحل التي مرت عليهما، إذ لم تكن آثار الكارثة الطبيعية وحدها هي ما أرهق السكان، بل الإهمال الواضح في إدارة الأزمة من قبل السلطة الانتقالية. فقد أظهرت الفيضانات هشاشة البنية التحتية بدرجة غير مسبوقة، وكشفت غياب التخطيط والاستعداد الحقيقي لمواجهة الطوارئ.
منذ اللحظات الأولى للأزمة، بدا واضحًا أن الاستجابة الحكومية جاءت دون المستوى المطلوب؛ فالوحدات المختصة لم تتحرك بالسرعة اللازمة، ولم تُفعَّل خطط الإنقاذ أو الإغاثة بالشكل الذي يتناسب مع حجم الخطر. وبينما كانت المياه تجتاح الشوارع والمنازل، كان الأهالي يعتمدون على جهودهم الذاتية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، مستخدمين أدوات بسيطة ومبادرات فردية لتعويض غياب الجهات المسؤولة.
تفاقمت المعاناة مع تعطل شبكات الكهرباء وانقطاع المياه وتلف الطرق الرئيسية التي تربط الأحياء ببعضها. وأدى ذلك إلى صعوبة وصول المساعدات الإنسانية وتأخر الخدمات الإسعافية، مما ضاعف من حجم الأضرار المادية والمعيشية على السكان. كثيرون وجدوا أنفسهم بلا مأوى، وآخرون فقدوا ممتلكاتهم، في ظل غياب حلول عاجلة أو حضور فعّال للسلطة التي كان من المفترض أن تتولى إدارة الأزمة.
هذا التقصير أشعل موجة غضب شعبي واسعة في دير الزور والرقة، حيث عبّر الأهالي عن استيائهم من غياب المسؤولية وضعف المتابعة وافتقار المؤسسات الحكومية لأدنى معايير الجهوزية. وازدادت الانتقادات الموجهة إلى السلطة الانتقالية، التي بدت عاجزة عن اتخاذ خطوات وقائية كان من الممكن أن تقلل من حجم الكارثة لو تم اتخاذها بالوقت المناسب.
ما حدث لم يكن مجرد فيضان عابر، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات على حماية المدنيين في أحلك الظروف. ومع الأسف، أثبتت هذه التجربة أن الإدارة الحالية ما زالت بعيدة عن الحد الأدنى من الكفاءة المطلوبة، وأن إعادة النظر في آليات إدارة الأزمات وتعزيز البنية التحتية باتت ضرورة لا يمكن تأجيلها.
لقد تركت الكارثة ندوبًا عميقة ليس فقط على الأرض، بل في نفوس السكان الذين يشعرون اليوم بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الخطر. وهي رسالة واضحة وصارخة بضرورة بناء منظومة طوارئ فعّالة، تعيد الثقة بين المواطن والسلطة، وتضمن ألا تتكرر المأساة بهذا الشكل مرة أخرى.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.