NORTH PULSE NETWORK NPN

خطيئة كرد سوريا بين صناعة الشعب وصناعة الزعيم

محسن عوض الله

أثارت زيارة السيد نيجرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، إلى العاصمة السورية دمشق، ولقاءه رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، كثيراً من الجدل، خصوصاً على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما ظهر العلم الكردستاني الكبير خلال مراسم الاستقبال، في مشهد لافت غاب عنه العلم العراقي.
علم كردستان، الذي قيل إن طوله بلغ نحو تسعة أمتار، لم يكن بالنسبة إلى كثير من الكرد مجرد قطعة قماش معلقة في قاعة استقبال.
كان بالنسبة إلى البعض صورة من حلم قديم، حلم دولة كردية طال انتظارها، وراية يرى فيها كثيرون رمزاً لهويتهم وتاريخهم وتضحياتهم، وربما شيئاً من الحلم الذي لم يتحقق حتى الآن.
لكن اللافت أن النقاش لم يتوقف عند العلم؛ تحدث البعض عن نيجرفان بارزاني باعتباره واحداً من الرموز السياسية الكردية التي استطاعت أن تفرض حضورها، وأن تصبح عنواناً سياسياً معروفاً للكرد في العراق، ثم انتقلوا إلى المقارنة مع كرد سوريا، متسائلين: أين هو الزعيم الكردي السوري الذي يمكن أن يحظى بالمكانة والاحترام نفسيهما؟
وهنا أعتقد أن المقارنة ليست عادلة بل ربما تكون ظالمة لكرد سوريا.
فالظروف التي تشكلت فيها التجربة السياسية الكردية في إقليم كردستان العراق ليست هي الظروف التي عاشها كرد سوريا، لا تاريخياً ولا سياسياً ولا جغرافياً، وحتى طبيعة الأحزاب والقوى السياسية مختلفة تماماً.
صحيح أن إقليم كردستان العراق قدم خلال العقود الماضية عدداً كبيراً من القيادات والزعامات الكردية، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن السؤال الذي لا يطرحه كثيرون هو: كيف صُنِعَتْ هذه الزعامات؟
التاريخ يقول إن جزءاً كبيراً من الحياة السياسية في الإقليم تشكل حول أحزاب ارتبطت، بدرجات مختلفة، بعائلات سياسية وقبلية كبيرة.
وهذا ليس انتقاصاً من تاريخ هذه الأحزاب، ولا من نضالها، ولا من التضحيات التي قدمتها في مواجهة أنظمة مختلفة، لكنه واقع سياسي يجب الاعتراف به.
في النهاية، هناك فرق كبير بين حزب تصنعه المؤسسات وتداول القيادة، وحزب تتحول فيه العائلة بمرور الوقت إلى جزء من تعريفه وهويته ورمزيته.
وهذا هو الفارق الذي يجعل المقارنة مع كرد سوريا غير دقيقة.
كرد سوريا دخلوا الثورة السورية عام 2011 من موقع مختلف تماماً؛ كان عليهم أن يتعاملوا مع نظام بعثي لم ير في التنوع السوري إلا تهديداً، ومع معارضة مسلحة لم تكن كلها قادرة على استيعاب فكرة الآخر، ومع واقع إقليمي شديد التعقيد، كانت فيه القضية الكردية دائماً جزءاً من صراعات أكبر من حدود سوريا نفسها.
وفي وسط كل ذلك، اختاروا بناء تجربتهم الخاصة، وكانت الإدارة الذاتية واحدة من أبرز نتائج تلك التجربة؛ التي لك كامل الحق أن تؤيدها أو تعارضها، أن تنتقد سياساتها أو علاقاتها أو طريقة إدارتها، لكن من الصعب تجاهل الفكرة التي قامت عليها في بدايتها.
لم تكن الفكرة أن يأتي زعيم كردي جديد ليحكم منطقة كردية، ويؤسس عائلة سياسية جديدة، كانت الفكرة على الأقل كما طُرِحَتْ، أن تكون هناك إدارة ومؤسسات ومشاركة لمختلف المكونات الموجودة في المنطقة.
وهنا ربما تكمن واحدة من أهم نقاط قوة التجربة، وفي الوقت نفسه واحدة من أكبر مشكلاتها.
لقد حاول كرد سوريا أن يجعلوا المؤسسة أهم من الشخص، لم يسعوا، بالقدر نفسه الذي فعلته تجارب أخرى، إلى صناعة زعيم أبدي، أو توريث قيادة حزب، أو تحويل شخصية سياسية إلى رمز لا يمكن الاقتراب منه.
تغيرت أسماء المسؤولين، تبدلت القيادات، ظهرت أحزاب وقوى جديدة، واستمرت المؤسسات.
قد لا يكون هذا النموذج قد نجح كما كان يأمل أصحابه، وقد ارتكب أخطاءً كثيرة، وربما وقع في تناقضات سياسية وإدارية لا يمكن تجاهلها، لكن هذا لا يلغي أن هناك محاولة كانت موجودة بالفعل.
وهنا أعود إلى السؤال الذي أثارته زيارة نيجرفان بارزاني، لماذا ننظر إلى غياب الزعيم الكردي السوري باعتباره مشكلة؟
لماذا نفترض أن التجربة السياسية الناجحة يجب أن تنتج بالضرورة زعيماً كبيراً يحمل اسماً معروفاً، وتصبح صورته أهم من المؤسسة التي يمثلها؟
أليس من الممكن أن تكون المشكلة في الفكرة نفسها؟
نحن في الشرق الأوسط تعودنا على شيء مختلف تماماً.
الزعيم هو الحزب، والحزب هو الدولة، والدولة تصبح ملكاً للعائلة.
وبعد سنوات، يصبح مجرد التفكير في تغيير الحاكم أقرب إلى التفكير في تغيير الدولة نفسها.
هذا ما رأيناه في تجارب عربية كثيرة، وهذا ما دفع المنطقة إلى دفع أثمان هائلة من الدماء والدمار.
تجربة كرد سوريا حاولت، ولو بصورة لم تكن مثالية، أن تقول شيئاً مختلفاً.
قالت إن المؤسسة يمكن أن تكون أهم من الشخص، وإن السلطة يمكن أن تتغير، وإن المجتمع يمكن أن يشارك، وإن الكرد والعرب والسريان الآشور وغيرهم يمكن أن يعيشوا داخل نموذج سياسي واحد، بدلاً من أن تتحول كل هوية إلى دولة صغيرة داخل الدولة.
ربما كانت الفكرة أكبر من الظروف المحيطة بها، وربما كانت سابقة لزمانها، وربما لم تدرك قياداتها منذ البداية حجم التعقيدات الإقليمية والدولية التي تحيط بسوريا، وحجم الحساسية التي تحيط بأي مشروع كردي في المنطقة.
لكن هل هذا يجعل الفكرة خطيئة؟
أنا لا أعتقد ذلك. الخطيئة ليست في أن تحاول بناء نظام سياسي لا يقوم على العائلة. الخطيئة ليست في ألا تبحث عن زعيم أبدي. الخطيئة ليست في أن تقول إن المؤسسة أهم من الشخص.
الخطيئة الحقيقية هي أن نقتل هذه الأفكار ثم نعود بعد سنوات لنبحث عن الزعيم الذي كان يمكن أن ينقذها.
لا تلوموا كرد سوريا لأنهم لم يصنعوا نيجرفان بارزاني آخر، ولا تلوموهم لأنهم لم يبنوا تجربة سياسية قائمة على الزعامات العائلية والقبلية.
إذا أردنا أن نحاكم تجربتهم، فلنحاكمها على ما قدمته من مؤسسات، وعلى أخطائها، وعلى علاقتها بالمكونات الأخرى، وعلى قدرتها على إدارة مناطقها، لا على عدد الزعماء الذين صنعتهم.
أما أن يصبح غياب الزعيم دليلاً على فشل التجربة، فهذه هي المفارقة التي لا أفهمها.
ربما تكون المشكلة أننا ما زلنا نبحث عن رجل يحمل المشروع، بدلاً من أن نبحث عن مشروع يحمل نفسه.
وإذا كانت تجربة كرد سوريا قد فشلت في النهاية، كما يرى البعض، فإن فشلها لا يعني بالضرورة أن فكرتها كانت خاطئة.
فالأفكار لا تموت دائما لأنها سيئة، أحياناً تموت لأنها ولدت في المكان الخطأ، وفي الوقت الخطأ، وفي منطقة ما تزال تقاوم أي محاولة للخروج من قواعدها القديمة.
وربما كانت تجربة كرد سوريا واحدة من تلك المحاولات.
محاولة لم تكتمل، محاولة ارتكبت أخطاء، محاولة اختلفنا معها وقد نختلف عليها كثيراً،
لكنها في النهاية، حاولت أن تقول إن سوريا يمكن أن تكون شيئاً آخر، شيئاً لا يشبه الأسد، ولا يشبه المعارضة التي قاتلت باسم الحرية، ثم مارست أحياناً عكس ما قالت، ولا يشبه أنظمة المنطقة التي تختصر الدولة في شخص والعائلة في وطن.
لهذا لا تلوموا كرد سوريا على غياب الزعيم، لوموا من وأد التجربة، ومن حاصر الفكرة، ومن تعامل معها باعتبارها خطراً يجب التخلص منه، بدلاً من النظر إليها باعتبارها محاولة تستحق أن تناقش وتطور وتصحح.
وربما يكون أكثر ما يستحق كرد سوريا عليه الاحترام أنهم حاولوا أن يصنعوا نموذجاً قبل أن يصنعوا زعيما.ً
قد تكون المحاولة فشلت، وقد يكون الحلم لم يكتمل، لكن يكفيهم شرفاً أنهم كانوا من أوائل من حاولوا كسر القاعدة.
وفي منطقتنا، مجرد محاولة كسر هذه القاعدة ليست أمراً قليلاً.
فلا تلوموا كرد سوريا لأنهم لم يصنعوا زعيماً …ربما كانت خطيئتهم الوحيدة أنهم حاولوا أن يصنعوا شعباً ومؤسسات، في منطقة اعتادت أن تصنع الزعماء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.