سوريا ساحة للصـ.ـراع التركي الإسـ.ـرائيلي.. من يرسم ملامح المرحلة الجديدة؟
مع دخول سوريا مرحلة ما بعد سقوط نظام البعث، تتجه البلاد إلى أن تصبح إحدى أبرز ساحات إعادة ترتيب النفوذ في الشرق الأوسط، وسط تصاعد التنافس بين تركيا وإسرائيل حول مستقبل الدولة السورية وشكل ترتيباتها الأمنية والسياسية.
ولا يبدو هذا التنافس مجرد خلاف على النفوذ داخل سوريا، بل يتجاوزها إلى صراع أوسع على موقع كل طرف في منظومة الإقليم الجديدة، في ظل تراجع أدوار قوى إقليمية كانت حاضرة بقوة خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها إيران.
ويرى نائب مدير مركز تفكير للشؤون السياسية، هاني الجمل، أن أنقرة تسعى إلى قيام دولة سورية مركزية مستقرة وقابلة للتأثير، بما يتيح لها الحفاظ على مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية، وتعزيز حضورها في الشمال السوري، إلى جانب معالجة الملفات المرتبطة باللاجئين والفصائل المسلحة والقضية الكردية بما يتوافق مع رؤيتها.
في المقابل، تتحرك إسرائيل وفق مقاربة مختلفة، تتمثل في منع تشكل سوريا كقوة قادرة على تهديد أمنها، والحؤول دون عودة خصومها إلى الساحة السورية، بالتوازي مع العمل على الحد من تنامي النفوذ التركي، عبر الحضور العسكري والسياسي وإضعاف القدرات العسكرية السورية.
ويعتبر الجمل أن سوريا أصبحت ساحة مباشرة للتنافس التركي الإسرائيلي، وأن الخلاف بين الطرفين يعكس صراعاً على شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة.
وبحسب هذه الرؤية، انتقل التنافس من خلاف ظرفي حول النفوذ داخل سوريا إلى تنافس استراتيجي بين أنقرة وتل أبيب، تسعى خلاله كل قوة إلى تثبيت موقعها في الترتيبات الإقليمية الجديدة، فيما أصبحت سوريا إحدى أهم ساحات اختبار موازين القوى.
سوريا تدفع الثمن
ويحذر الجمل من أن استمرار هذا التنافس قد يجعل سوريا مسرحاً لاحتكاك إقليمي دائم، سواء بصورة مباشرة بين تركيا وإسرائيل أو عبر قوى وفصائل محلية وإقليمية، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي.
كما أن استمرار الضربات الإسرائيلية أو تعطيل القدرات العسكرية السورية، بالتوازي مع تنامي النفوذ التركي، قد ينعكس على مسار استعادة الاستقرار وإعادة الإعمار، ويؤدي إلى مزيد من إضعاف مؤسسات الدولة وسيادتها.
ويشير الجمل إلى أن عوامل إقليمية أخرى، من بينها أدوار دول الخليج ومصر وبقايا النفوذ الإيراني والتطورات المرتبطة بلبنان، تزيد من تشابك المصالح والصراعات داخل الساحة السورية.
ورغم تصاعد التوتر، يستبعد الجمل اندلاع مواجهة عسكرية واسعة ومباشرة بين تركيا وإسرائيل في المدى القريب، مرجحاً استمرار الاحتكاك السياسي والأمني والعسكري غير المباشر ومحاولات كل طرف تحجيم نفوذ الآخر.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو سوريا أمام اختبار صعب: فبدلاً من أن تكون مرحلة ما بعد البعث فرصة لبناء دولة مستقرة وذات سيادة، قد تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية، بينما يبقى المواطن السوري ومؤسسات الدولة أول المتضررين من استمرار صراع النفوذ.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.