NORTH PULSE NETWORK NPN

اندماج قسد وورطة دمشق…

محسن عوض الله

قد يبدو اندماج قسد، وإعلان انتهاء دوره كقوة مستقلة، واندماج هيئات ومؤسسات الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، للوهلة الأولى، انتصاراً واضحاً لدمشق. سلطة واحدة بدلاً من سلطتين، مؤسسات تعود إلى الدولة، وقوة عسكرية يجري دمجها في مؤسسات الجيش والأمن.

ربما لو كان الأمر بهذه السهولة، لقلنا إن دمشق قد ربحت حقاً بعد اندماج قسد، وسيطرتها على مقاليد الأمور في شمال وشرق سوريا. لكن السؤال الآن لم يعد: من يسيطر؟ بل أصبح: من سيدير المنطقة وكيف؟

قد يرى البعض أن دمشق نجحت في إنهاء الشكل السياسي والعسكري الذي نشأ خلال سنوات الحرب، وربما يكون هذا الكلام صحيحاً إلى حد ما، لكن ما لا يدركه البعض أن دمشق، اليوم، بعد اندماج قسد ومؤسسات الإدارة الذاتية، وضعت نفسها أمام واقع اجتماعي وإداري وأمني لا يمكن حله بقرار سياسي.

الإدارة الذاتية، التي امتدت فترة وجودها لأكثر من 10 أعوام، لم تكن مجرد مكاتب أو مؤسسات يمكن إغلاقها، بل نشأت حولها شبكة واسعة من الموظفين والمجالس المحلية والقوى الأمنية والاقتصادية.

خلال أكثر من 10 أعوام، اعتاد سكان المنطقة على نمط معين من إدارة شؤونهم اليومية. وربما من الصعب أن يقبلوا بغيره، أو بمستوى أقل منه، إن أردنا الدقة. وهو ما يمثل تحدياً كبيراً أمام حكومة دمشق في الحفاظ على نفس المستوى الإداري والتنظيمي الذي اعتاده سكان المنطقة خلال فترة الإدارة الذاتية.

أعتقد أن المشكلة الأكبر أمام دمشق تبدأ بعد استعادة السيطرة، وليس قبلها. فإدارة شمال شرق سوريا تعني رواتب وخدمات وكهرباء وبلديات ومعابر وموارد، وتعني أيضاً التعامل مع ملف النفط والغاز، والسجون والمخيمات التي تضم عناصر وعائلات مرتبطة بتنظيم داعش، فضلاً عن ملف أمني شديد الحساسية.

ربما تمنح السيطرة على الأرض؛ الدولة السيادة، لكنها لا تمنحها تلقائياً القدرة على إدارة كل تفاصيل الحياة فيها. وهنا تكمن ورطة دمشق الحقيقية.

الورطة الحقيقية التي تنتظر دمشق، والتي لا نتمنى حدوثها بالطبع، هي أن تسيطر الحكومة على المؤسسات دون أن تمتلك الإمكانات اللازمة لتشغيلها، وهو ما يهدد بحدوث فجوة بين السلطة القانونية والقدرة الفعلية على الحكم، بما قد يهدد سيطرة الدولة وفكرة وحدة السلاح التي على أساسها تم دمج قسد.

بالنسبة إلى الكرد، فإن التخلي عن الإدارة الذاتية والسلاح، كما يتم الدعاية له، لا يعني أن القضية الكردية انتهت. على العكس، القضية تنتقل إلى مستوى آخر.

السؤال بالنسبة إلى الكرد لن يكون فقط: هل اندمجت قسد في الجيش؟ بل ماذا سيحصلون عليه في المقابل؟

ينتظر الكرد، مقابل هذا الدمج، استعادة الحقوق الثقافية واللغوية، والمشاركة السياسية، والتمثيل في مؤسسات الدولة، والإدارة المحلية، ومعالجة أوضاع من حُرِّموا سابقاً من الجنسية، وضمان عدم النظر إلى المجتمع الكردي باعتباره ملفاً أمنياً.

وهنا تحديداً ستظهر جدية الاتفاق. فالمشكلة ليست في صياغة بنود عامة، وإنما في كيفية ترجمتها داخل مؤسسات الدولة، وفي الحياة اليومية للسكان في الحسكة والقامشلي وكوباني وعفرين وغيرها.

أعتقد أن حكومة دمشق أمامها فرصة تاريخية، لكنها في الوقت نفسه أمام اختبار صعب. إذا تمكنت من دمج المؤسسات المحلية، واستيعاب الكوادر، وضمان الحقوق، وتوفير الخدمات والأمن، فقد يتحول تجربة دمج قسد إلى خطوة فعلية نحو إعادة بناء الدولة السورية.

أما إذا اختزلت العملية في الدمج فقط، ونقل المباني والمؤسسات إلى سلطة مركزية، من دون معالجة جذور المشكلة، فقد ينتهي دور قسد كتنظيم كان له دوره في الفترة السابقة، بينما تبقى الأسئلة التي أنتجتها قائمة.

على حكومة دمشق أن تدرك أن الحفاظ على وحدة سوريا لا يعني فقط ادماج السلطات الموازية، وإنما بناء دولة يشعر سكانها بأنهم جزء منها، لا مجرد مناطق عادت إلى سيطرتها.

ختاماً.. قد يكون دمج قسد أسهل قرارات دمشق في شمال شرق سوريا، لكن إدارة ما بعد قسد ستكون الاختبار الأصعب للجولاني ورجاله.

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.