NORTH PULSE NETWORK NPN

الدبلوماسية الكردية..بين دمشق وأوروبا.. ماذا تحـ.ـمل جـ.ـولة مظـ.ـلوم عبدي لمستـ.ـقبل شمال وشرق سوريا؟

محسن عوض الله

على مدار سنوات الحرب السورية، نجحت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ذات الأغلبية الكردية، في ترسيخ مكانتها بوصفها الحليف العسكري الأكثر فاعلية للتحالف الدولي في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي داخل سوريا.

وأظهر مقاتلو “قسد” خلال سنوات القتال مستويات عالية من الكفاءة العسكرية والقدرة الميدانية؛ ما أكسبهم تقديراً واسعاً لدى القوى الغربية المُشارِكة في الحرب على التنظيم. فقد لعبت هذه القوات دوراً محورياً في إنهاء سيطرة داعش على مساحات واسعة من الأراضي السورية والعراقية، وكانت رأس الحربة في عدد من أبرز المعارك التي قادت إلى انهيار ما عرف بـ”دولة الخلافة”.

هذا الدور لم يمنح “قسد” ثقلاً عسكرياً فحسب، بل أسهم أيضاً في تحويلها إلى شريك سياسي وأمني يحظى بثقة دولية، كما ساعد في جعل مناطق شمال وشرق سوريا من أكثر المناطق استقراراً، مقارنة بمناطق سورية أخرى أنهكتها المعارك والفوضى الأمنية.

وخلال السنوات الماضية، تمكنت “قسد” والإدارة الذاتية من بناء شبكة واسعة من العلاقات مع عواصم غربية مؤثرة، مستفيدة من موقعها كشريك رئيسي في الحرب ضد الإرهاب. هذه العلاقات جعلت منها طرفاً حاضراً في معظم النقاشات الدولية المتعلقة بمستقبل سوريا، لا سيما بعد سقوط نظام بشار الأسد، ودخول البلاد مرحلة سياسية جديدة.

غير أن سوريا التي تشكلت توازناتها خلال سنوات الحرب؛ ليست هي سوريا التي تتشكل اليوم، فصعود إدارة جديدة في دمشق بقيادة رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع فتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات الداخلية، ووضع مختلف القوى السورية أمام واقع سياسي مغاير لما اعتادت عليه خلال العقد الماضي.

في هذا السياق جاء اتفاق الاندماج بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية؛ باعتباره محاولة لفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الطرفين، إلا أن الاتفاق، رغم أهميته، ما يزال يواجه تحديات تتعلق بآليات التنفيذ، وطبيعة المؤسسات التي ستُدمج، وحدود الصلاحيات الإدارية والأمنية، إلى جانب ملفات أخرى لم تُحسم بصورة نهائية.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم الجولة الأوروبية التي يجريها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، والتي تشمل فرنسا وإيطاليا، بعد سلسلة لقاءات عقدها مع المبعوث الأمريكي توم براك ورئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني.

فالزيارة التي يمكن وصفها بالدبلوماسية الكردية لا تبدو منفصلة عن الحِراك السياسي الجاري بشأن مستقبل شمال وشرق سوريا، بل تأتي في قلب مرحلة تشهد إعادة تشكيل المشهد السوري بأكمله. كما تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى الدول التي اختارها عبدي ضمن جولته.

ففرنسا كانت طوال السنوات الماضية من أكثر الدول الأوروبية انخراطاً في الملف السوري، وحافظت على قنوات اتصال سياسية وأمنية مع الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية. أما إيطاليا، فهي جزء من المنظومة الأوروبية المعنية بشكل مباشر بملفات الإرهاب والهجرة والاستقرار الإقليمي، وهي ملفات ترتبط بصورة وثيقة بمستقبل شمال وشرق سوريا.

ولا يقل توقيت الجولة أهمية عن وجهتها. فسوريا تمر بمرحلة انتقالية شديدة الحساسية، فيما تدور المفاوضات بين دمشق و”قسد” حول قضايا تتجاوز مسألة الاندماج العسكري إلى أسئلة أكثر عمقاً تتعلق بشكل الدولة السورية المقبلة، وطبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، ومستقبل الإدارة المحلية في مناطق الشمال الشرقي.

وتدرك قيادة “قسد” أن المرحلة الجديدة تتطلب التكيف مع واقع سياسي مختلف عنوانه الأساسي: سعي دمشق إلى توحيد المؤسسات وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية؛ لذلك تبدو الجولة الأوروبية أقرب إلى عملية استكشاف للمواقف الدولية تجاه التفاهمات الجارية مع الحكومة السورية، ومحاولة لمعرفة حدود الدعم أو التحفظ الذي قد تبديه القوى الغربية إزاء أي صيغة سياسية جديدة.

وفي المقابل، تنظر الدول الأوروبية إلى هذه التطورات من زاوية مصالحها الأمنية المباشرة. فملفات تنظيم داعش، والمقاتلين الأجانب، ومخيمات الاحتجاز، والهجرة غير النظامية، ما تزال تشكل هواجس حقيقية للعواصم الأوروبية، ما يجعل استقرار شمال وشرق سوريا جزءاً من حساباتها الاستراتيجية والأمنية.

من هنا، لا تبدو باريس وروما مجرد محطتين في جولة دبلوماسية اعتيادية، بل نافذتين تسعى “قسد” من خلالهما إلى استشراف شكل المواقف الدولية تجاه المرحلة المقبلة، بينما تحاول الدول الأوروبية فهم الاتجاه الذي ستسلكه العلاقة بين دمشق والقوى الكردية في سوريا الجديدة.

وربما لا يكمن السؤال الأهم اليوم فيمَ الذي سيعود به مظلوم عبدي من جولته الأوروبية، بل فيمَ إذا كانت سوريا تقترب فعلاً من صيغة سياسية قادرة على استيعاب جميع مكوناتها بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام.

ما يجب أن يدركه الجميع أن العلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية لم تعد شأناً سورياً داخلياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من شبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية، ما يجعل نجاح أي تفاهم بين الطرفين مرهوناً ليس فقط بإرادتهما السياسية، بل أيضاً بقدرتهما على التعامل مع حسابات اللاعبين الدوليين الذين ما يزالون حاضرين بقوة في المشهد السوري

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.