ورطـ.ـة الشـ.ـرع بين الـ.ـبقاء حـ.ـياَ أو رئيـ.ـساَ
في السياسة لا مكان للصدفة، ولا مجال للحديث عن حسن النوايا أو براءة المقصد وسلامة السريرة، وفي العلاقات الدولية تحديداً كل حركة أو إشارة لها مدلول ورسالة قد لا يفهمها البعض في وقتها، ولكنها تبقي موجودة ومستهدفة في أذهان الفاعلين.
وفي عالم لا مكان فيه للصدفة، لم يكن الاستقبال الحافل الذي حظي به وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني من أهالي طرابلس خلال زيارته الأخيرة إلي لبنان؛ حدث عابر أو مجرد احتفاء بزيارة لمسؤول عربي؛ بل كانت تدشين لمرحلة جديدة من العلاقة بين نظام الشرع والمكون السني في لبنان.
الشيباني الذي استقبل استقبال الفاتحين في طرابلس معقل النفوذ السني في لبنان؛ ارتدى ثوب الثائر المنتصر، ووقف في إحدى الشرفات ليرد التحية لمؤيديه ومناصري حكومته من اللبنانيين الذين تجمعوا أمام دار الفتوى في طرابلس، في استقبال ووداع الوزير السوري مرددين هتافات الترحيب به، والتأييد لحكومة الشرع، في مشهد أعاد إلي الذاكرة سنوات من النفوذ السوري في لبنان خلال حقبة البعث البائدة.
هذا الاحتفاء اللبناني بوزير خارجية سوريا؛ يتزامن مع ضغوط أمريكية يمارسها ترامب بنفسه على أحمد الشرع رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا للمشاركة في مواجهة حزب الله اللبناني.
ترامب الذي تفاخر مراراً وتكراراً في أكثر من مناسبة بأنه “من وضع الشرع في مكانه” كرّر خلال الأيام الماضية دعوته للرئيس السوري المؤقت إلى التدخل في لبنان ضد حزب الله، قائلاً: “إن إسرائيل لم تنجح في الأمر، وإنها تقتل الكثير من المدنيين، وتدمّر الكثير من المساكن في استهدافاتها لعناصر الحزب.
كما سبق لسفير واشنطن في تركيا، ومبعوثها الخاص إلى سوريا توم برّاك، أن ذكر الأمر نفسه، وذهب أبعد من ذلك؛ إذ تحدّث عن عودةٍ إلى «بلاد الشام» وعن صيغة «سوريا كبرى».
ترامب الذي من المقرر أن يلتقي الشرع خلال أيام على هامش قمة زعماء الناتو في أنقرة؛ من المتوقع أن يثير الأمر من جديد، وسط تقارير تتحدث عن صفقة أمريكية تركية تقوم بموجبها أنقرة بدفع الشرع لتنفيذ المطالب الأمريكية.
وفي قلب هذه المعادلة الصعبة يقف الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع أمام اختبار بالغ الحساسية، يتعلق بحدود الحركة والمناورة بين واشنطن؛ التي يتحدث رئيسها بكل صراحة “أنه من عيَّن الشرع رئيساً” وبين خطورة الطلبات الأمريكية التي تهدد استقرار سوريا، التي لم تستقر حتى الأن رغم مرور أكثر من عام ونصف على سيطرة الشرع على مقاليد السلطة.
السؤال الآن: هل يسقط الشرع في الفخ الأمريكي، ويرضخ للضغوط التركية المتوقعة حال إتمام الصفقة المحتملة بين ترامب وأردوغان، بما يحمله ذلك من خطر قد يهدد حياته شخصياً، وما تفجير دمشق الأخير إلا رسالة بذلك، أم يصمد ويرفض التورط في الفخ اللبناني ما يهدد بقاءه في السلطة بحكم أن من صنعه رئيسا وفق تصريحات ترامب قادر على صناعة غيره؟.
أسئلة كثيرة ربما الشرع نفسه لا يملك الإجابة عليها في الوقت الحالي، ولكن المؤكد أن الأيام القادمة قد تكون ثقيلة على كاهل “الجولاني” أو الرئيس الانتقالي السوري كما يحب أن يطلق عليه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.