NORTH PULSE NETWORK NPN

من يقـ.ـف خلف خيـ.ـمة الفـ.ـتنة جنـ.ـوبي الحسكة والقامشلي؟

شهدت أرياف الحسكة والقامشلي الجنوبية، خلال الأيام الماضية، تحركات مريبة تقودها مجموعات تحريضية ترفع زوراً وبهتاناً شعار تمثيل العشائر العربية. وتحت مسمى “خيمة الحرب”، تجمّع هؤلاء في خطوة لا تحمل في جوهرها أي أجندة مطلبية أو برامج تنموية ينتظرها الأهالي المحرومون، بل يغلب عليها خطاب الكراهية، والتجييش المناطقي، والسعي الدؤوب إلى نبش الأحقاد وإثارة الفتنة.
وفي الوقت الذي تغرق فيه تلك المناطق في أزمات مأساوية، وتعيش تحت وطأة الفقر، وتفشي الفوضى، وغياب أدنى مقومات الخدمات الأساسية، يطرح المتابع للمشهد سؤالاً جوهرياً: من يقف حقيقةً خلف هؤلاء المحرضين؟ ولصالح من يُراد لشرق سوريا أن يشتعل مجدداً في هذا التوقيت الحرج؟
إن قراءة الخارطة الميدانية والسياسية لهذه التحركات تكشف عن تقاطع مصالح خبيث بين عدة أطراف إقليمية ومحلية، وجدت في حالة الجهل والهشاشة الخدمية فرصة سانحة للتحريض وبث خطاب الكراهية، لتصفية الحسابات.
أولاً: بيادق طهران ومحاولات خلط الأوراق الإقليمية
يتصدر المشهد ميدانياً عناصر سابقون في الميليشيات التابعة لإيران، ممن تورطوا، على مدار السنوات الماضية، في انتهاكات واسعة وسرقات جعلتهم مطرودين ومنبوذين اجتماعياً من قبل العشائر الأصيلة. وهؤلاء ليسوا سوى أدوات تحركها طهران لتقويض حالة الاستقرار النسبي في شرق سوريا. وتسعى إيران، من خلال تحريك هذه البيادق، إلى توجيه رسائل ضغط أمنية سريعة إلى دمشق، بهدف إثنائها عن الانخراط في أي ترتيبات إقليمية أو أمنية تُحجّم النفوذ الإيراني، أو التجاوب مع الرغبات الدولية المتعلقة بالملف اللبناني والضغط على حزب الله.
ثانياً: “أيتام البعث” وصراع الأجنحة داخل السلطة
الطرف الآخر المتورط في تأجيج هذه المشاعر هو مجموعة من المتشربين بالفكر العنصري و”أيتام البعث الصدامي” القابعين داخل بعض مفاصل السلطة في دمشق. ويمثل هؤلاء الخطر الأكبر على آفاق الاستقرار؛ إذ يقتنصون الفوضى بحثاً عن نفوذ مفقود ومكاسب شخصية. وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع انقسامات مكتومة داخل بيت السلطة نفسه، ولا سيما بعد التغيرات الأمنية الأخيرة، وعلى رأسها عزل حسين سلامة من رئاسة جهاز الاستخبارات. ويُضاف إلى ذلك حالة الغضب لدى بعض القوى العشائرية بشأن حجم تمثيلها في “مجلس الشعب”، ناهيك عن التنافس والتناحر العشائريين القديمين.
ولتغطية هذه الصراعات العميقة، وصرف الأنظار عن الأزمات البنيوية، يلجأ هؤلاء إلى اصطناع “عدو وهمي”، وتصويب السهام نحو المكون الكردي، لإعادة الشارع إلى مربع الصراع القومي.
ثالثاً: الأصابع التركية وضغوط ملف “الاندماج”
لا يمكن فصل ما يجري جنوبي الحسكة عن الأجندات الإقليمية الأخرى، فالأصابع التركية ليست بعيدة عن المشهد. إذ تُستغل هذه التوترات لممارسة أقصى درجات الضغط على المكون الكردي والمؤسسات الإدارية في الشمال الشرقي، بهدف عرقلة أو توجيه ملف “الاندماج الإداري والعسكري” وفق شروط تخدم المصالح الجيوسياسية لأنقرة، وتمنع قيام أي كيان مستقر على حدودها الجنوبية.
رابعاً: ثغرة لعودة “داعش” والخلايا المتطرفة
إن خطورة هذا التحريض تتجاوز حدود الفوضى المحلية، لتفتح ثغرة أمنية بالغة الخطورة أمام تنظيم “داعش” والمجموعات المتطرفة، التي تقتنص مثل هذه البيئات الرخوة للتسلل واختراق المكونات المحلية. إن ضرب السلم الأهلي وتغذية الخطاب المتطرف يمنحان الخلايا النائمة المبرر والغطاء المثالي لإعادة تنظيم صفوفها وتكثيف حضورها في البادية وأرياف المنطقة، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج دوامة العنف التي دفع أبناء المنطقة ثمنها باهظاً من أمنهم واستقرارهم.
خامساً: صمت دمشق الانتقالية.. هل يفتح باب الغضب الدولي؟
أمام هذا المشهد المتفجر، يثير صمت السلطة الانتقالية في دمشق، وتجاهلها المريب لما يجري، الكثير من علامات الاستفهام. ويرى مراقبون أن هذا التغاضي لا يقف عند حدود الهروب من الأزمات الداخلية واستحقاقات البطالة والفقر، بل يضع السلطة في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي. فالرفع المشروط للعقوبات وتسهيل الانفتاح السياسي ليسا أمرين مجانيين، بل يرتبطان بشرط جوهري يتمثل في الالتزام بالاستقرار، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأقليات والمكونات كافة. كما أن التساهل مع هذا التحريض العنصري، وفوضى الأجهزة، قد يكلف دمشق خسارة هذا الدعم المشروط، وإعادة وضعها تحت مجهر الضغط والعقوبات الدولية مجدداً.
إن ما يجري في ريف الحسكة والقامشلي الجنوبي ليس حركة مطالب محقة أو انتفاضة عشائرية نابعة من وجع الناس، بل هو “حلبة فتنة” تقودها أدوات مرتهنة للخارج وأجنحة متصارعة في الداخل، تسعى إلى توظيف آلام الأهالي. وتبقى الحقيقة الثابتة أن أبناء المنطقة والسكان الأصليين هم الضحية الأولى والوحيدة لهذه اللعبة الخطرة، ما لم يُعلَ صوت العقل، وتُكشف أهداف هؤلاء المحرضين، ويُقطع الطريق على مروجي الفتنة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.