NORTH PULSE NETWORK NPN

نحو 6 ملايين طالب ومليونا متسرب.. وزير التربية يعرض أزمـ.ـة التعليم السوري أمام البرلمان

عرض وزير التربية والتعليم في الحكومة السورية الانتقالية، محمد عبد الرحمن تركو، خلال جلسة استماع أمام البرلمان، واقع القطاع التعليمي في سوريا، مسلطاً الضوء على جملة من التحديات التي تواجه الوزارة، في مقدمتها الارتفاع الكبير في أعداد الطلاب، والتسرب المدرسي، ونقص المدارس والكوادر التعليمية، إلى جانب ملفات المناهج وعودة الطلاب والمعلمين والتشريعات والتحول الرقمي.
وأشار تركو إلى أن عدد الطلاب المتوقع خلال العام الدراسي الحالي يقترب من 6 ملايين طالب، في وقت تتجاوز فيه الحاجة الفعلية إلى المدارس والكوادر الإمكانات المتاحة، مؤكداً أن افتتاح المدارس الجديدة مستمر، إلا أن تأمين المعلمين والكوادر اللازمة لا يزال يشكل تحدياً موازياً.
وبحسب عرض الوزير، افتتحت الوزارة 134 مدرسة في حلب و50 مدرسة في إدلب، فيما تستعد لافتتاح 37 مدرسة في حماة، مع تخصيص جزء كبير من الموارد لإعادة تأهيل المدارس في المناطق التي تشهد عودة الأهالي من المخيمات.
مليونا طفل خارج التعليم
ويبرز ملف التسرب المدرسي كأحد أكثر التحديات خطورة، إذ قدّر الوزير عدد الطلاب المتسربين بنحو مليوني طالب، مرجعاً ذلك إلى عوامل اقتصادية واجتماعية، فضلاً عن غياب المدارس في عدد من المناطق.
ويعكس هذا الرقم حجم الفجوة التي تواجه العملية التعليمية في سوريا، خصوصاً في ظل سنوات الحرب وما خلفته من دمار في البنية التحتية التعليمية، ونزوح واسع للسكان، وانقطاع أعداد كبيرة من الأطفال عن الدراسة.
كما تواجه الوزارة تحديات إضافية مرتبطة بعودة الطلاب من خارج سوريا، ومنها فقدان الوثائق الدراسية، واختلاف المناهج، والانقطاع عن التعليم، إضافة إلى صعوبات اللغة العربية لدى بعض الطلاب العائدين.
وفي هذا الإطار، أشار تركو إلى استفادة نحو 38 ألف طالب من دورة وامتحان في اللغة العربية، ضمن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لمعالجة أوضاع الطلاب العائدين ومساعدتهم على الاندماج في النظام التعليمي.
المناهج والكتب.. توحيد وسط تنوع تعليمي
وفي ملف المناهج، تحدث الوزير عن اعتماد فترة انتقالية تمتد لعامين للطلاب الذين درسوا المناهج السابقة، بهدف نقلهم تدريجياً إلى المنهاج الموحد، مشيراً إلى إنجاز المعايير الوطنية لبناء المناهج الجديدة.
كما أعلنت الوزارة طباعة 41 مليون كتاب مدرسي للعام الحالي، مقارنة بـ28 مليوناً في العام الماضي، مع تخصيص كتب جديدة لطلاب الصفوف من الأول حتى الرابع.
ويعيد الحديث عن المنهاج الموحد طرح مسألة جوهرية تتعلق بكيفية إدارة التنوع التعليمي والثقافي واللغوي في سوريا، ولا سيما في المناطق التي طورت خلال السنوات الماضية نماذج تعليمية محلية تتناسب مع خصوصيتها المجتمعية.
وفي هذا السياق، تبرز المطالب في شمال وشرق سوريا بضرورة أن تراعي أي منظومة تعليمية وطنية مستقبلية التعدد القومي واللغوي والثقافي، وأن تضمن حق المكونات في التعليم بلغاتها الأم، بما فيها اللغة الكردية، بدلاً من اعتماد توحيد المناهج بوصفه توحيداً قسرياً للمحتوى واللغة.
نقص الكوادر وإعادة المعلمين المفصولين
وفيما يتعلق بالكوادر التعليمية، قال تركو إن الوزارة أعادت أكثر من 14 ألف معلم فُصلوا سابقاً، مشيراً إلى أن مشروع تثبيت المعلمين المفصولين وصل إلى مراحله الأخيرة تمهيداً لإحالته إلى البرلمان.
كما تحدث عن مشروع قانون شؤون المعلمين، الذي يتضمن نظاماً للدرجات المهنية يعتمد على الدورات والتقييم ونقاط محددة، بهدف رفع كفاءة الكوادر التعليمية.
لكن التحدي الأكبر، وفق العرض الحكومي نفسه، يتمثل في التفاوت بين أعداد المدارس والطلاب من جهة، وعدد المعلمين المتاحين من جهة أخرى، الأمر الذي يجعل افتتاح الأبنية المدرسية وحده غير كافٍ لمعالجة الأزمة.
التعليم الإلزامي والرقابة
وأكد الوزير العمل على تفعيل إلزامية التعليم في مرحلة التعليم الأساسي وفق القانون رقم 7، بالتوازي مع متابعة تطبيق القرارات الوزارية من خلال أجهزة الرقابة الداخلية والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش.
كما أشار إلى وجود إشكاليات مرتبطة بتدخل بعض لجان الأحياء في تقييم الكوادر التعليمية، مؤكداً متابعة هذه الملفات.
وتكتسب مسألة الرقابة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى بناء مؤسسة تعليمية قادرة على العمل وفق معايير موحدة وشفافة، بعيداً عن التدخلات المحلية أو السياسية التي قد تؤثر في تقييم المعلمين وإدارة المدارس.
التحول الرقمي.. إصلاح إداري في مواجهة تشريعات قديمة
وفي إطار تحديث الخدمات التعليمية، أوضح تركو أن معادلة الشهادات أصبحت إلكترونية بالكامل، من خلال تسجيل الطالب ورفع الوثائق المطلوبة، مع العمل على بناء قاعدة بيانات تعليمية متكاملة.
وأشار في الوقت ذاته إلى أن الوزارة تواجه مشكلة قدم التشريعات وعدم انسجامها مع الاحتياجات الحالية، إلى جانب ضعف البنية الرقمية، ما يجعل تحديث الإطار القانوني والإداري جزءاً أساسياً من عملية إصلاح التعليم.
كما تحدث عن إجراءات جديدة لتحسين البيئة المدرسية، بينها اعتماد هوية بصرية للمدارس بهدف جعلها أكثر جذباً للطلاب.
التعليم في مناطق العودة.. تحدٍ يتجاوز إعادة فتح المدارس
وركز الوزير كذلك على دعم المدارس في المناطق التي تشهد عودة الأهالي من المخيمات، مؤكداً أن إعادة تأهيل الأبنية يجب أن تترافق مع توفير المعلمين والمستلزمات التعليمية.
إلا أن تجربة السنوات الماضية تظهر أن إعادة فتح المدارس لا تعني بالضرورة عودة العملية التعليمية إلى طبيعتها؛ فالمناطق المتضررة تحتاج إلى بنية تحتية متكاملة، وكوادر مؤهلة، وكتب ومستلزمات، إضافة إلى معالجة آثار الانقطاع الدراسي والنزوح على الأطفال.
بين الإصلاح المركزي وحق المناطق في خصوصيتها
ويضع العرض الذي قدمه وزير التربية أمام البرلمان ملف التعليم السوري أمام استحقاق يتجاوز معالجة نقص المدارس والكتب والمعلمين، ليصل إلى شكل النظام التعليمي نفسه، وحدود المركزية في إدارته، وكيفية التعامل مع التنوع الموجود في سوريا.
فبناء منظومة تعليمية أكثر عدالة لا يرتبط فقط بزيادة عدد المدارس أو طباعة الكتب، وإنما يتطلب ضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المناطق، والاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي، وإشراك المجتمعات المحلية في صياغة السياسات التعليمية التي تمس أبناءها.
وبالنسبة إلى مناطق شمال وشرق سوريا، يبقى مستقبل التعليم مرتبطاً بمدى قدرة أي صيغة تعليمية سورية جديدة على الاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي، وضمان حق الأطفال في التعليم بلغتهم الأم، بما ينسجم مع مبدأ المساواة بين السوريين ويحافظ في الوقت ذاته على خصوصية كل مكوّن.
وفي المحصلة، تكشف الأرقام التي عرضها وزير التربية عن أزمة تعليمية واسعة: 6 ملايين طالب متوقع، نحو مليوني متسرب، نقص في المدارس والكوادر، وبنية تشريعية ورقمية بحاجة إلى تحديث. وهي تحديات تجعل إصلاح التعليم واحداً من الملفات الأساسية في إعادة بناء سوريا، لا باعتباره قطاعاً خدمياً فحسب، بل باعتباره أساساً لمستقبل الأجيال والتعايش بين مختلف مكونات البلاد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.