الكهرباء إلى لبنان.. فيما تتواصل أزمـ.ـة التغذية داخل سوريا
تتجه وزارة الطاقة في الحكومة السورية الانتقالية، برئاسة وزير الطاقة محمد البشير، إلى بحث إمكانية تزويد لبنان بكميات من الطاقة الكهربائية، في خطوة تأتي في وقت لا تزال فيه مناطق واسعة من سوريا تعاني ضعفاً في التغذية الكهربائية وتراجعاً في ساعات وصول التيار، ما يعيد إلى الواجهة تساؤلات حول أولويات إدارة قطاع الطاقة وتوزيع الموارد في البلاد.
وتأتي هذه التوجهات في ظل واقع خدمي واقتصادي صعب يعيشه السوريون، حيث تشكل الكهرباء إحدى أكثر الأزمات ارتباطاً بالحياة اليومية، سواء بالنسبة للأهالي أو القطاعات الإنتاجية والخدمية، وسط حاجة متزايدة إلى تأمين طاقة مستقرة قبل التفكير في تصديرها أو تخصيصها لدول أخرى.
ولا تقتصر أزمة الكهرباء على انخفاض ساعات التغذية، بل تنعكس بصورة مباشرة على مختلف القطاعات، من المياه والمخابز والمنشآت الصحية والتعليمية، وصولاً إلى النشاط الاقتصادي والصناعي، الأمر الذي يجعل ملف الطاقة قضية خدمية واقتصادية تتصل بشكل مباشر بمستوى معيشة السكان.
وفي مناطق شمال وشرق سوريا، تبرز أزمة الكهرباء بصورة أكثر وضوحاً، في ظل تضرر البنية التحتية وتهالك أجزاء من شبكات النقل ومحطات التحويل، إلى جانب محدودية مصادر الطاقة والحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة للمنظومة الكهربائية. كما تواجه الإدارة الذاتية تحديات متراكمة في تأمين احتياجات السكان من الطاقة، في وقت تعتمد فيه العديد من المناطق على حلول محلية ومصادر بديلة لتغطية النقص.
ويرى مراقبون أن أي توجه نحو تصدير الكهرباء أو تخصيص جزء من موارد الطاقة خارج البلاد يجب أن يرتبط أولاً بضمان حقوق السكان في الحصول على الخدمات الأساسية، ووضع آليات واضحة وشفافة لإدارة الموارد، بما يحقق العدالة في توزيع الطاقة بين مختلف المناطق السورية، ولا سيما المناطق التي تعاني منذ سنوات من ضعف الخدمات والبنية التحتية.
ويطرح التوجه نحو لبنان، في حال المضي به، سؤالاً أساسياً حول أولوية الاحتياجات الداخلية: فكيف يمكن الحديث عن تصدير الكهرباء في وقت ما تزال فيه مدن وبلدات سورية تواجه ساعات طويلة من انقطاع التيار، وتضطر الأسر والمنشآت إلى الاعتماد على المولدات والبدائل المكلفة؟
كما يفتح الملف النقاش حول ضرورة إعادة بناء قطاع الطاقة على أساس مؤسساتي، يضمن الشفافية في إدارة الموارد والعائدات، ويأخذ بعين الاعتبار خصوصية المناطق واحتياجاتها، بدلاً من حصر القرار الكهربائي في مركزية إدارية لا تعكس بالضرورة حجم الاحتياجات الفعلية لكل منطقة.
وبالنسبة إلى مناطق الإدارة الذاتية، فإن ملف الطاقة يرتبط كذلك بمسألة الإدارة المحلية للموارد، وضرورة ضمان حصول السكان على حصتهم العادلة من الكهرباء والثروات الموجودة في مناطقهم، إلى جانب إشراك المؤسسات المحلية في تحديد أولويات الاستثمار وإعادة تأهيل البنية التحتية.
وفي ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للسكان، فإن أي سياسة تتعلق بالطاقة تحتاج إلى أن تضع تأمين الخدمات الأساسية للسكان في مقدمة الأولويات، قبل الانتقال إلى التزامات خارجية قد تزيد الضغط على شبكة تعاني أساساً من نقص في الإنتاج والتجهيزات.
ويبقى السؤال الأبرز: هل ستكون الطاقة السورية أداة لمعالجة أزمات السوريين أولاً، أم ستتحول إلى مورد يُعاد توزيع عوائده خارج المناطق التي تعاني أساساً من تراجع الخدمات؟ فإدارة الموارد لا تُقاس فقط بحجم الإنتاج أو الاتفاقيات الموقعة، وإنما بقدرتها على ضمان وصول الخدمات الأساسية بعدالة وشفافية إلى جميع السكان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.