من خطاب الكراهيـ.ـة إلى السـ.ـلم الأهلي.. تجارب دولية تضع سوريا أمام اختبار المـ.ـصالحة والعدالة
لم يعد وقف إطلاق النار وحده كافياً لإنهاء آثار الحرب في سوريا، إذ لا تزال تداعيات سنوات الصراع حاضرة في العلاقات المجتمعية، وسط تحديات تتعلق بإعادة بناء الثقة، ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض، وترسيخ أسس العيش المشترك بين مختلف المكونات.
ومع دخول البلاد مرحلة جديدة عقب سقوط النظام البعثي، تبرز أهمية حماية السلم الأهلي ومنع انتقال الصراعات إلى الفضاء المجتمعي، ولا سيما في ظل انتشار الشائعات والمعلومات المضللة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الافتراضي، وما قد تسببه من تأجيج التوترات وتعميق الانقسامات القومية والدينية والمناطقية.
وتؤكد تجارب المجتمعات التي خرجت من الحروب أن تجاهل خطاب الكراهية أو التعامل معه بوصفه مجرد خلاف في الآراء قد يفتح المجال أمام التمييز والانتقام والعنف، خصوصاً عندما تتحول المسؤولية الفردية إلى اتهام جماعي يستهدف مكوناً بأكمله بسبب هويته أو انتمائه.
خطاب الكراهية.. تهديد للسلم الأهلي والتعايش المشترك
تكمن خطورة خطاب الكراهية في قدرته على تحويل الاختلاف السياسي أو الثقافي إلى حالة من العداء بين مكونات المجتمع، من خلال التعميم والتحريض ونشر الاتهامات من دون أدلة، الأمر الذي يضعف الثقة المتبادلة ويهدد النسيج الاجتماعي.
وفي السياق السوري، تزداد أهمية التصدي لهذه الظاهرة عبر تعزيز الوعي المجتمعي، والتحقق من المعلومات المتداولة، ورفض الخطابات التي تحرض على العنف أو تبرر استهداف المدنيين على أساس الهوية القومية أو الدينية أو المناطقية.
ولا يعني ذلك تقييد حرية التعبير أو منع النقد السياسي، بل التمييز بين الاختلاف المشروع الذي يشكل جزءاً من الحياة العامة، وبين التحريض على التمييز والعنف الذي يهدد أمن المجتمع واستقراره.
رواندا وميانمار.. دروس من خطورة التحريض الإعلامي
تقدم تجربة رواندا عام 1994 مثالاً مأساوياً على الدور الذي يمكن أن يؤديه التحريض الإعلامي في تأجيج العداء بين المكونات، بعدما أسهمت الدعاية القائمة على الكراهية والتصنيف العرقي في تهيئة بيئة ساعدت على ارتكاب الإبادة الجماعية بحق التوتسي
ورغم اختلاف الظروف التاريخية والسياسية، فإن هذه التجربة تبرز ضرورة مواجهة الخطابات التي تنزع الصفة الإنسانية عن الآخرين، وتحوّل الانتماء الجماعي إلى مبرر للاضطهاد أو الانتقام.
وفي ميانمار، أظهرت الأحداث المرتبطة باستهداف الروهينغا أن التضليل وخطاب الكراهية عبر منصات التواصل الافتراضي يمكن أن يساهما في زيادة التوترات وتوسيع دائرة العداء، خصوصاً في المجتمعات التي تعاني انقسامات عميقة.
وتحمل هذه التجارب دلالات مهمة بالنسبة إلى سوريا، حيث يمكن للمعلومات المضللة والمقاطع المجتزأة والمنشورات التحريضية أن تزيد من حدة التوتر، ما يستدعي تعزيز المسؤولية الإعلامية، ونشر المعلومات الموثوقة، ومواجهة التحريض بما يحفظ حقوق جميع المكونات.
البوسنة وجنوب أفريقيا.. المصالحة لا تنفصل عن العدالة
توضح تجربة البوسنة والهرسك أن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة تجاوز الانقسامات، إذ يمكن أن تستمر آثار الحرب من خلال إنكار الجرائم أو تمجيد مرتكبيها أو توظيف الذاكرة الجماعية في تعميق الانقسام.
وفي المقابل، تقدم تجربة جنوب أفريقيا، عقب انتهاء نظام الفصل العنصري، نموذجاً مهماً في أهمية الاستماع إلى الضحايا وكشف الانتهاكات ومناقشة الماضي بوصفها خطوات تساعد على إعادة بناء الثقة المجتمعية.
لكن التجربة تؤكد أيضاً أن المصالحة لا يمكن أن تكون بديلاً عن العدالة، وأن معالجة آثار الانتهاكات تتطلب الاعتراف بمعاناة المتضررين، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين وفق إجراءات قانونية عادلة.
وتكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة في سوريا، حيث ترتبط إعادة بناء الثقة بضرورة معالجة آثار الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، وضمان حقوق الضحايا، ومنع الإفلات من المساءلة، بعيداً عن الانتقام الجماعي أو تحميل المكونات بأكملها مسؤولية أفعال أفراد.
أيرلندا الشمالية.. إدارة الاختلاف بالحوار والقانون
تقدم تجربة أيرلندا الشمالية مثالاً على إمكانية بناء مسار سياسي يتيح إدارة الخلافات القومية والدينية والسياسية من دون العودة إلى العنف، من خلال الحوار والتفاهمات السياسية والاعتراف بتعدد الهويات.
ويبرز هذا النموذج أهمية إيجاد آليات تضمن مشاركة مختلف المكونات في الحياة العامة، وتحمي حقها في التعبير عن هويتها وثقافتها ولغتها، وتتيح معالجة الخلافات عبر المؤسسات والقانون.
وبالنسبة إلى سوريا، فإن ترسيخ التعددية والاعتراف بحقوق المكونات يشكلان جزءاً من النقاش المتعلق ببناء دولة تضمن المواطنة المتساوية، وتصون التنوع القومي والديني والثقافي، وتوفر بيئة تسمح للجميع بالمشاركة في صياغة مستقبل البلاد.
سوريا.. من المصالحة المجتمعية إلى بناء الثقة
تتطلب مواجهة خطاب الكراهية في سوريا عملاً متكاملاً يتجاوز الإدانة اللفظية، ويشمل نشر ثقافة الحوار، وتعزيز دور المؤسسات المجتمعية والإعلامية والتربوية، وتطوير آليات للتصدي للمعلومات المضللة والتحريض على العنف.
كما تبرز أهمية دور الوجهاء والمثقفين والشباب والنساء ومؤسسات المجتمع المدني في تقريب وجهات النظر، واحتواء التوترات، وتعزيز المبادرات المحلية التي تجمع الأهالي حول المصالح المشتركة، وتحمي السلم الأهلي من محاولات بث الفتنة والانقسام.
ولا يمكن تحقيق مصالحة مستدامة من دون ضمان حقوق المتضررين، وكشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، واحترام التنوع، وتوفير ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات. فالتسامح لا يعني نسيان المعاناة أو التنازل عن الحقوق، بل بناء علاقة مجتمعية لا يكون فيها الماضي ذريعة لاستمرار العنف.
وتكشف التجارب الدولية أن المجتمعات الخارجة من الحروب تقف أمام تحدٍ يتجاوز إعادة الإعمار المادي، يتمثل في إعادة بناء الثقة بين أبنائها. وفي سوريا، يبقى الانتقال من الكراهية إلى المصالحة مرتبطاً بقدرة المجتمع ومؤسساته على تحويل الاختلاف إلى حوار، والعدالة إلى ضمانة للحقوق
والتنوع إلى أساس للعيش المشترك، بما يحفظ كرامة جميع السوريين ويؤسس لسلام مستدام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.