NORTH PULSE NETWORK NPN

زيتون عفرين.. حكاية أرض متـ.ـجذّرة في الذاكرة وموسم يتـ.ـحدى سنوات التـ.ـهجير

تستعيد حقول الزيتون في عفرين مشهد موسمها الزراعي مع حلول فصل الخريف، حاملةً حكاية ارتباط الأهالي بأرضهم التي شكّلت على مدى أجيال مصدر رزقهم وعنوان هويتهم الثقافية والاجتماعية، رغم سنوات التهجير وما رافقها من أضرار طالت الأشجار والأراضي الزراعية.
وتشتهر عفرين بزراعة الزيتون، إذ يُقدّر عدد أشجاره بنحو 18 مليون شجرة، بينها أشجار معمّرة يعود عمر بعضها إلى مئات السنين، فيما يشكّل الصنف الزيتي النسبة الأكبر من إجمالي الأشجار. ويُعد الزيتون المحصول الزراعي الرئيس في المنطقة، حيث تغطي زراعته أكثر من نصف المساحات الصالحة للزراعة، ويعتمد عليه غالبية السكان في تأمين مصادر دخلهم السنوي.
ومع حلول منتصف تشرين الأول من كل عام، يبدأ موسم جني الزيتون الذي يستمر حتى نهاية العام، في مشهد يجمع العائلات والأهالي ضمن تقاليد اجتماعية متوارثة، تقوم على التعاون وتبادل المساعدة في قطاف المحصول. كما اعتادت عفرين خلال هذه الفترة استقبال العمال من المناطق المحيطة للمشاركة في أعمال الجني، لما يمثله الموسم من أهمية اقتصادية وفرص عمل موسمية.
وعقب الانتهاء من القطاف، تُنظّف الثمار من الأوراق والشوائب، وتُجمع في أكياس مخصصة، قبل نقلها إلى المعاصر بواسطة الجرارات الزراعية، لتبدأ رحلة تحويل المحصول إلى زيت الزيتون، الذي يحتل مكانة أساسية في الحياة اليومية والاقتصاد المحلي.
وتبدأ عملية العصر بفرز الثمار وتنظيفها وغسلها لإزالة الأتربة والحجارة الصغيرة والأوراق العالقة بها، ثم تُنقل إلى آلات الطحن والعجن لتحويلها إلى عجينة متجانسة. وبعد ذلك، تمر العجينة بمراحل الضغط واستخلاص السوائل، وصولاً إلى أجهزة الفصل التي تفصل الزيت عن الماء، ليُجمع الزيت في أوعية خاصة تمهيداً لتعبئته وتسويقه.
ولا تقتصر أهمية الزيتون في عفرين على إنتاج الزيت وتأمين الدخل، بل تتجاوز ذلك لتشكّل جزءاً من الموروث الغذائي والاجتماعي للأهالي. ويُعد الزيتون المكبوس، الأخضر والأسود، المعروف محلياً باسم «عطون»، من الأطباق الأساسية على موائد العائلات، حيث تتوارث الأجيال طرق تحضيره، مع تنويع الوصفات وإضافة مكونات مثل الثوم والمكسرات لإضفاء نكهات مميزة.
وتبدأ عملية كبس الزيتون عادةً بشقّ الثمار وغسلها ونقعها في الماء لعدة أيام، مع تغييره بصورة منتظمة للتخفيف من مرارتها، ثم تُضاف كميات مناسبة من الملح، قبل حفظها في أوعية محكمة الإغلاق حتى تصبح جاهزة للاستهلاك.
ورغم ما شهدته عفرين من تهجير طال سكانها منذ عام 2018، وما تعرضت له مساحات من بساتين الزيتون من قطع وتخريب، يواصل الأهالي التمسك بأراضيهم والعودة إلى حقولهم لمتابعة أعمالهم الزراعية واستعادة مصدر رزقهم.
وبالنسبة إلى أهالي عفرين، لا يمثّل موسم الزيتون مجرد نشاط زراعي سنوي، بل يجسّد صلة متوارثة بالأرض وذاكرة جماعية ترتبط بأشجارها وثمارها وتقاليدها. وبين تحديات الواقع وآثار سنوات التهجير، يبقى الزيتون رمزاً للصمود والتشبث بالأرض، وأملاً باستعادة الحياة الزراعية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.