NORTH PULSE NETWORK NPN

الجنوب السوري بين تعدد مراكز النـ.ـفوذ والتوسع الإسرائيلـ.ـي.. مشهـ.ـد عسـ.ـكري وأمنـ.ـي مفتوح على التحولات

يشهد الجنوب السوري تحولات عسكرية وأمنية متسارعة، أعادت رسم خريطة النفوذ في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، في ظل تداخل المصالح المحلية والإقليمية، واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، وتعدد التشكيلات المسلحة، إلى جانب تعثر مساعي توحيد القوى العسكرية ضمن مؤسسات الحكومة الانتقالية.
ولم تتشكل هذه التعقيدات بصورة مفاجئة، بل جاءت نتيجة مسار طويل بدأ مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، حين ظهرت فصائل عسكرية متعددة في درعا والقنيطرة، بالتزامن مع انتشار تنظيمات متطرفة، من بينها جبهة النصرة، قبل أن يتوسع نفوذ تنظيم داعش عبر تشكيلات محلية، أبرزها جيش خالد بن الوليد الذي سيطر على أجزاء من حوض اليرموك حتى عام 2018.
ومع اتفاقات التسوية التي رعتها روسيا صيف 2018، دخل الجنوب مرحلة جديدة من إعادة ترتيب القوى المسلحة، دون أن تنتهي فعلياً حالة تعدد المرجعيات العسكرية والأمنية. فقد احتفظت مجموعات محلية بنفوذها، وظهرت تشكيلات جديدة ارتبط بعضها بأجهزة النظام السابق، فيما شهدت درعا والقنيطرة استمرار الاغتيالات والاشتباكات والتوترات الأمنية.
وشكّل سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024 منعطفاً جديداً في المشهد، إذ تفككت البنية العسكرية والأمنية السابقة، وبدأت محاولات إعادة دمج الفصائل ضمن وزارة الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية، بالتزامن مع تقدم القوات الإسرائيلية خارج مواقعها السابقة في المنطقة العازلة ومناطق من القنيطرة ومحيط جبل الشيخ.
وفي إطار إعادة هيكلة القوى العسكرية، تشكلت الفرقة الأربعون من مجموعات وفصائل سابقة ومتطوعين محليين، إلا أن عملية الدمج لم تنه نفوذ التشكيلات المحلية بصورة كاملة، وسط استمرار الخلافات بشأن القيادة والرتب وتوزيع المسؤوليات. وفي السويداء، حافظت القوى المحلية على حضورها العسكري والإداري، وبقيت المحافظة خارج السيطرة الفعلية للحكومة الانتقالية في مناطق واسعة منها.
بالتوازي مع ذلك، شهد الجنوب ظهور تشكيلات مسلحة أعلنت مواجهة الوجود العسكري الإسرائيلي، من بينها حركة ردع الاحتلال وجبهة المقاومة الإسلامية في سوريا – أولي البأس، التي تبنت عمليات ضد مواقع إسرائيلية، وسط غموض بشأن حجم قدراتها وارتباطاتها التنظيمية.
كما استمر نشاط خلايا تنظيم داعش، مع إعلان السلطات الأمنية تنفيذ عمليات لملاحقتها في درعا والقنيطرة، شملت تفكيك خلايا واعتقال أشخاص قالت إنهم مرتبطون بالتنظيم، في وقت بقيت فيه التهديدات الأمنية حاضرة في عدد من مناطق الجنوب.
وخلال عام 2026، تصاعدت التحركات العسكرية الإسرائيلية، بما شمل التوغلات البرية والمداهمات والاعتقالات وإقامة الحواجز والمواقع العسكرية، إلى جانب أعمال التحصين وشق الطرق وتوسيع نقاط المراقبة. وترافقت هذه التحركات مع استمرار الخلاف بين دمشق وتل أبيب بشأن الوجود الإسرائيلي في المنطقة العازلة ومحيط جبل الشيخ، حيث تطالب دمشق بانسحاب القوات الإسرائيلية واحترام السيادة السورية واتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
ولم تقتصر التداعيات على التوترات الداخلية، إذ شهد الجنوب تدخلاً إقليمياً مباشراً تمثل في الغارات الجوية الأردنية التي استهدفت مواقع في درعا والسويداء أواخر تشرين الأول 2026، على خلفية ما وصفه الأردن بتهديدات أمنية مرتبطة بشبكات مسلحة. وأثارت الغارات خلافاً بشأن التنسيق المسبق وسقوط ضحايا مدنيين، قبل الاتفاق على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لمتابعة تداعياتها.
وتعكس خريطة الجنوب السوري الراهنة واقعاً تتداخل فيه السلطات المحلية والتشكيلات المسلحة والوجود العسكري الإسرائيلي، وسط تباين في طبيعة السيطرة والنفوذ بين درعا والقنيطرة والسويداء، فضلاً عن اختلاف الحسابات الإقليمية المتعلقة بأمن الحدود ومستقبل المنطقة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى حماية المدنيين وإنهاء التوغلات العسكرية ومعالجة التعدد الأمني والعسكري، وضمان مشاركة المكونات المحلية في إدارة مناطقها، من أبرز التحديات المطروحة أمام مستقبل الجنوب السوري، في وقت لا تزال فيه المنطقة تدفع ثمن سنوات طويلة من الصراع وتراكم التدخلات الخارجية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.