بقلم: محمد فاضل شيخاني
• المشهد العام وبداية المسار التفاوضي.
دخلت العلاقات بين حكومة دمشق المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية، خلال النصف الأول من عام 2025 مرحلةً من التفاوض المكثف غير المسبوق. ففي 10 آذار/مارس 2025، تم توقيع اتفاق بين رئيس سلطة دمشق “أحمد الشرع” وقائد قوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، نصّ على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن هياكل الدولة السورية، تحت مظلة الجيش السوري الوطني، مع ضمان الحقوق المدنية على أساس الكفاءة والمواطنة.
كان من المقرر أن تُستكمل العملية في اجتماع دولي في باريس أُعلن عنه في 25 يوليو/تموز 2025، برعاية فرنسية – غربية، وبمشاركة أطراف إقليمية ودولية، بهدف توفير ضمانات لإنجاح المسار. إلا أن التطورات التي نتجت عن مؤتمر الحسكة يوم 8 /آب 2025، وما رافقها من مخرجات، والزيارة العاجلة لوزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” إلى دمشق أدت إلى تغيير قواعد سياسة التفاوض وإلغاء لقاء باريس من قبل دمشق.
• مؤتمر الحسكة.. نقطة الانعطاف.
انعقد المؤتمر تحت شعار: “معًا من أجل تنوع يعزز وحدتنا وشراكة تبني مستقبلنا”، بمشاركة نحو 400 شخصية من مختلف المكونات (سنّة، علويون، دروز، سريان، تركمان، كُرد، إيزيديون، آشوريون، ومسيحيون). كما شارك عبر الفيديو كل من الشيخ حكمت الهجري (الزعيم الروحي الدرزي) ورئيس المجلس العلوي الأعلى غزال غزال.
وكان أبرز مخرجات المؤتمر:
1) تثبيت نموذج الإدارة الذاتية وتطويره.
2) اعتبار “قسد” نواةً لبناء جيش وطني جديد.
3) الدعوة إلى صياغة دستور ديمقراطي لدولة لا مركزية.
4) رفض التغيير الديموغرافي.
5) الدعوة إلى إطلاق مسار للعدالة الانتقالية.
بهذه المخرجات، انتقل الحوار من صيغة ثنائية “دمشق – قسد” إلى صيغة أوسع: “تحالف اللامركزية – دمشق”. رأت دمشق في هذا التحول محاولة لإدخال أطراف معادية ضمن التفاوض، واعتبرته انحرافًا عن اتفاق 10 آذار.
• موقف دمشق.
اعتبرت سلطة دمشق مؤتمر الحسكة خرقًا واضحًا لاتفاق آذار، ورفضت صراحةً فكرة “نواة جيش جديد” أو أي تقسيم إداري جديد، على الرغم من عدم مخالفة أي بند من مخرجات المؤتمر للاتفاق وفقاً لمراقبين وما أكدته اللجنة التحضيرية للمؤتمر. وردت دمشق بقرارات واضحة:
* الانسحاب من لقاء باريس.
* التشديد على أن الحوار يجب أن يجري حصريًا في دمشق.
* تحميل “قسد” مسؤولية تعطيل المسار.
* وصف المشاركين بالمشروع الانفصالي وبأنهم يعملون على تدويل الملف السوري.
• المواقف والأدوار الإقليمية والدولية
كشف موقف القوى الفاعلة في الأزمة السورية تجاه اجتماع باريس المرتقب وانقسامها بين دول داعمة وأخرى معطلة مستوى الصراع على النفوذ في سوريا واتجاهاته، ويمكن تسليط الضوء على هذه المواقف الدولية بالشكل:
1. تركيا
أعلنت تركيا بشكل مباشر في أكثر من مناسبة عن رفضها لأي نموذج لامركزي، ورغم مبادرة السلام الكردية لا تزال تعتبر “قسد” تهديدًا لأمنها القومي. ويهدف إضعاف موقف قسد عملت تركيا على ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية على روسيا وإيران وأطراف خليجية لإضعاف أي دعم لمسار يمنح “قسد” صفة رسمية داخل الدولة السورية. حتى أنها لوّحت عبر قنوات غير رسمية بتصعيد عسكري في الشمال السوري إذا مضى اجتماع باريس دون ضمانات لتفكيك “قسد”. ويؤكد مراقبون على أن تركيا تهدف إلى منع أي تسوية تمنح الكرد وضعًا خاصًا، والإبقاء على ورقة “قسد” أداة ضغط على دمشق وواشنطن.
2. إيران
لا تزال إيران محافظة على سياستها السابقة تجاه الدولة السورية، وتستمر في التأكيد على وحدة سوريا ورفض أي نفوذ غربي. وتشير المعطيات السياسية أنها تحفظت على لقاء باريس لكونه جرى تحت رعاية غربية – سعودية، وخشيت من إضعاف نفوذها الاستراتيجي الممتد من طهران عبر بغداد ودمشق إلى بيروت. ما يعني أن طهرات لا تزال تعول على تطورات محتملة في الملف السوري يمكن من خلالها إبقاء دمشق ضمن محور طهران، ومنع صيغة تفاوضية تقلص حضورها العسكري والسياسي فيها.
3. روسيا
ويبدو الموقف الرسمي مشابهاً للموقف الإيراني، وصرح أكثر من مسؤول روسي على وسائل الاعلام عن دعمهم لحوار وطني جامع داخل سوريا، برعاية دمشق. إلا أن موقفها من لقاء باريس يبدو حذراً ويفسر لدى دوائر صنع السياسة الخارجية الروسية على أنه محاولة لإضعاف دورها كضامن رئيسي للملف السوري، خصوصًا لصالح فرنسا والولايات المتحدة. ويتعارض مع استراتيجيتها الهادفة إلى الحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي في دمشق والساحل، ومنع أي معادلة تهمشها أو تقلص دورها في “سوريا ما بعد الحرب”.
4. الولايات المتحدة
يُلاحظ أن السياسة الأمريكية في الملف السوري تسير في مسار يدعم حل سياسي يضمن حقوق المكونات المحلية، واندماج “قسد” ضمن الدولة السورية. ويبدو أن هذا النهج يتوافق مع استراتيجيتها في استمرار وجودها العسكري في مناطق شمال وشرق سوريا الغنية بالموارد ومنع وقوعها تحت هيمنة قوى دولية أو إقليمية منافسة لها، وترى في إدماج حليفتها “قسد” ضمن جيش وطني سوري فرصة لحماية نفوذها عبر بنية سورية شرعية. وضمان الاستقرار في شرق الفرات، ومنع عودة “داعش”، وتقييد تمدد إيران.
5. فرنسا
تعد فرنسا الجهة الدولية الراعية لاجتماع باريس، وتسعى إلى تحقيق تسوية سياسية عادلة تشمل “قسد”. وذلك انطلاقاً من طموحاتها لتكرار دورها التاريخي في المنطقة (كما في سايكس – بيكو)، عبر فرض نفسها “عرّابًا” لترتيبات سياسية جديدة تحت شعار “اللامركزية” والتخفيف من الانتقادات التي توجه لها بسب تاريخها الاستعماري. وهي كغيرها من الدول الكبرى تعمل على تعزيز نفوذها في شرق المتوسط، واستعادة دور قيادي في الملف السوري بعد انكفاء نسبي لصالح واشنطن وموسكو.
6. السعودية
طالما شكلت سوريا هاجساً أمنياً للمملكة العربية السعودية بسبب النفوذ الإيراني فيها، وبخصوص المرحلة الانتقالية تُظهر الرياض دعمها لوحدة سوريا وترفض الانفصال. وشجعت بشكل غير معلن العشائر العربية في شرق الفرات على المشاركة بالحوارات، وسعت لإضعاف النفوذ الإيراني عبر دعم مسار تفاوضي منضبط. وفي الوقت تركز السياسة السعودية تجاه سوريا على بقائها موحدة بلا نفوذ إيراني قوي، ضمن معادلة إقليمية متوازنة.
7. إسرائيل
تلتزم الحكومة الإسرائيلية الصمت السياسي المباشر تجاه المسار التفاوضي بين إقليم “شمال وشرق سوريا” وسلطة دمشق. إلا أنها واصلت ضرباتها الجوية على مواقع متنوعة في سوريا، واستهدفت دمشق بشكل مباشر بذريعة حماية الدروز. وترى في أي صيغة تفاوضية فرصة إذا أبقت الوجود الأمريكي شرق الفرات كعائق أمام عودة النفوذ الإيراني إلى المنطقة، ومخاطرة إذا قيدت حرية عملها العسكري. بشكل عام أعلنت الحكومة الإسرائيلية في أكثر من مرة على أنه هدفها الرئيسي في سوريا هو تحييد التمركز الإيراني، وضمان هدوء الجولان، وإبقاء الغطاء الأمريكي، ومنع سوريا من التحول إلى قاعدة متقدمة لمحور طهران.
8. قوات التحالف الدولي
تستمر عمليات التحالف في مهمة مكافحة تنظيم داعش وحفظ الاستقرار في المناطق التي يحاول العمل فيها، ورغم ميلها إلى دعم باريس، استجابت لطلبات دمشق وضغوط حلفائها وأعلنت تأجيل المشاركة لتجنب التصعيد. فهدف التحالف هو إبقاء الاستقرار شرق الفرات، وضمان محاربة الإرهاب، والاحتفاظ بقدرة تدخلية سريعة في أي تسوية مستقبلية.
• القوى الداعمة والمعطلة لاجتماع باريس:
وفقاً لمصادر متابعة هناك طرفين فاعلين في قضية اجتماع باريس، وتتمثل الدول الداعمة لهذا الاجتماع بكل من: فرنسا، الولايات المتحدة، بعض الدول الأوروبية، السعودية، الأمم المتحدة. أما الدول التي تحاول تعطيله فهي كل من: دمشق التي تتذرع بمؤتمر الحسكة، وتركيا التي تمارس ضغط مباشر لإلغائه، وإيران التي لن تدعم أي اجتماع يعطل استراتيجيتها، روسيا التي ترفض تهميش دورها في سوريا، إسرائيل من خلال تكثيف ضغطها العسكري على سلطة دمشق، والتحالف الدولي من خلال موافقته على تأجيل ضمني للاجتماع.
• قراءة مستقبلية
المسار التفاوضي لم يُغلق نهائيًا، لكنه بات مرهونًا بتنازلات متبادلة، وضمانات إقليمية أوسع تشمل تركيا وإيران وإسرائيل، إلى جانب وجود ضغوط على “قسد” لاعتماد مقاربة جديدة تعيدها إلى طاولة الحوار كطرف محلي لا كتحالف موسّع وهذا أمر مستبعد، بشكل عام يمكن تلخيص الأسباب الكامنة وراء إلغاء لقاء باريس كنتيجة تداخل عوامل محلية وإقليمية ودولية:
1) مبادرة “قسد” لتوسيع التفاوض.
2) رفض دمشق الصريح واعتبارها المسار خرقًا.
3) ضغوط تركية وإيرانية وروسية.
4) دعم أمريكي وفرنسي وسعودي اصطدم بالواقع.
5) تدخل إسرائيلي مباشر عبر التصعيد العسكري في دمشق.
بشكل عام هناك من يحاول إيجاد رابط تاريخي بين اتفاقية سايكس بيكو 1916 واجتماع باريس 2025، فاتفاقية سايكس – بيكو 1916 قسمت جغرافية المنطقة بين القوى الاستعمارية. بينما يفسر اجتماع باريس 2025 كمحاولة لإعادة رسم النفوذ داخل سوريا من دون تغيير الحدود. فالرابط في الحالتين، القوى الكبرى هي التي تحدد شكل الحكم والنفوذ، بينما تتم محاولة استخدام القوي المحلية كأوراق تفاوضية.
لقد أظهر مؤتمر الحسكة وإلغاء لقاء باريس أن الصراع السوري دخل مرحلة إعادة تشكل التحالفات، وأن التحكم بمستقبل البلاد لم يعد مرهونًا بالفاعلين الرسميين فقط، بل أيضًا بالعشائر والقوى المحلية والمرجعيات الدينية.
الأخطر اليوم ليس تقسيم سوريا جغرافيًا، بل فرض وقع سياسي وأمني يتمثل بإبقاء الوضع السوري بوضعه الحالي يتم من خلاله تثبيت مناطق نفوذ متعددة تحت وصاية قوى كبرى، بما يعيد إنتاج نسخة جديدة من “سايكس – بيكو”.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.