في مثل هذا اليوم، سقط النظام البعثي الذي حكم سوريا لعقود طويلة بالحديد والنار، معلناً نهاية مرحلة اتسمت بالاستبداد، وفتح صفحة جديدة من تاريخ البلاد مع تسلّم حكومة الشرع زمام السلطة في مرحلة انتقالية رُوّج لها على أنها بداية لمسار سياسي مختلف، قائم على العدالة، وإعادة بناء الدولة، وإنهاء المظالم.
غير أن مرور عام على هذا التحول المفصلي يكشف واقعاً مغايراً للتوقعات، حيث لم تترجم الوعود الكبيرة إلى تغييرات ملموسة في حياة السوريين، بل برزت أزمات جديدة رافقت استمرار كثير من السياسات الإقصائية، ما أعاد إنتاج حالة الإحباط وفقدان الثقة لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
حيث أخذ على حكومة الشرع منذ أيامها الأولى اعتمادها على دائرة ضيقة من القوى والرموز، مع تهميش واضح لشرائح سياسية واجتماعية واسعة، وعدم إشراك حقيقي للمكونات السورية في صنع القرار. وغابت الشفافية في إدارة المرحلة الانتقالية، في ظل غموض حول شكل الدولة المقبلة، وطبيعة الدستور، وآليات العدالة الانتقالية.
كما لم تُقدَّم خطوات جدية لمعالجة ملفات شديدة الحساسية، مثل المحاسبة على الجرائم السابقة، أو الكشف عن مصير المعتقلين والمفقودين، ما عزّز الشعور بأن التغيير اقتصر على الواجهة، دون مسّ جوهر منظومة السلطة.
اما اقتصادياً، واصل السوريون دفع ثمن الانهيار المتراكم، وسط تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، مقابل غياب سياسات اقتصادية واضحة أو خطط تعافٍ حقيقية. وشهد العام الماضي تسريح عشرات آلاف الموظفين، وتقليص الدعم، ما زاد من معدلات الفقر والبطالة، وعمّق الفجوة الاجتماعية
و أمنياً، لم تنجح حكومة الشرع في فرض الاستقرار أو حماية المدنيين، إذ شهدت البلاد تصاعداً في حالات الانفلات الأمني، والاغتيالات، والانتهاكات بحق الممتلكات والأفراد، سواء من قوات تابعة للحكومة أو مجموعات مسلحة مرتبطة بها، في ظل غياب مساءلة فعالة.
أما فيما يخص ملف اللاجئين والنازحين، فلم تتوفر البيئة الآمنة التي تتيح عودة طوعية وكريمة، وهو ما أبقى ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها تحت رحمة الفقر وانعدام الأمان، فيما استُخدمت شعارات “العودة” سياسياً دون توفير شروطها الواقعية
وغي ذكرى سقوط النظام البعثي، يبرز سؤال جوهري لدى السوريين: هل سقطت المنظومة الاستبدادية فعلاً، أم جرى استبدالها بسلطة جديدة أعادت إنتاج النهج ذاته بأدوات مختلفة..
عام مضى، ولم يتحقق الانتقال المنشود نحو دولة المواطنة والحقوق، ما يجعل هذه الذكرى أقرب إلى محطة للمراجعة والنقد، لا للاحتفال، في ظل شعور عام بأن الثورة على الاستبداد لم تكتمل بعد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.