NORTH PULSE NETWORK NPN

الفرات بين بوابات أنقرة وكارثة الشمال السوري.. من يتحكم بمصير المياه؟

 

 

تشهد المناطق السورية الواقعة على امتداد نهر الفرات أزمة مائية متفاقمة، بعد الارتفاع الكبير في منسوب المياه خلال الأيام الأخيرة، ما أدى إلى حدوث فيضانات وأضرار واسعة في عدد من القرى والأراضي الزراعية، خصوصاً في أرياف الرقة ودير الزور ومناطق شمال سوريا. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار استخدام ملف المياه كورقة ضغط إقليمية تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الإنساني والاقتصادي في المنطقة.

 

وبحسب مصادر محلية وتقارير ميدانية، فإن زيادة تدفق المياه من الجانب التركي ترافقت مع فتح بوابات مفيض سد أتاتورك، الأمر الذي تسبب بارتفاع مفاجئ في مناسيب نهر الفرات، وأدى إلى غمر مساحات زراعية واسعة، إضافة إلى تضرر طرق وممتلكات سكنية قريبة من مجرى النهر. كما دفعت هذه التطورات العديد من الأهالي إلى إطلاق تحذيرات من احتمال توسع رقعة الفيضانات في حال استمر تدفق المياه بالمعدلات الحالية.

 

وتعتمد مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا على نهر الفرات كمصدر أساسي لمياه الشرب والري وتوليد الكهرباء، ما يجعل أي تغير في كميات المياه المتدفقة ينعكس بشكل مباشر على حياة ملايين السكان. وخلال السنوات الماضية، واجهت المنطقة فترات طويلة من انخفاض منسوب المياه، الأمر الذي تسبب بأزمات عطش وتراجع في الإنتاج الزراعي وتضرر قطاع الطاقة، قبل أن تشهد اليوم حالة معاكسة تمثلت بارتفاع حاد للمياه وما رافقه من أضرار ميدانية.

 

ويرى مراقبون أن التحولات المتكررة في كميات المياه المتدفقة من تركيا تعكس حجم النفوذ الذي تمتلكه أنقرة على ملف نهر الفرات، في ظل سيطرتها على منابع النهر والسدود الرئيسية، وعلى رأسها سد أتاتورك، أحد أكبر المشاريع المائية في المنطقة. ويشير هؤلاء إلى أن سياسة التحكم بتدفق المياه باتت تُستخدم ضمن حسابات سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز البعد الخدمي أو الفني.

 

كما تعود إلى الواجهة مجدداً الانتقادات المتعلقة بعدم التزام تركيا بالاتفاقيات المائية الموقعة مع دول الجوار، والتي تنص على ضمان حد أدنى من تدفق المياه نحو سوريا والعراق. وتتهم جهات سياسية وحقوقية أنقرة باستخدام سياسة “التعطيش” خلال فترات معينة عبر خفض الإمدادات المائية، ثم اللجوء إلى زيادة التدفق بشكل مفاجئ في أوقات أخرى، ما يخلق أزمات مزدوجة بين الجفاف والفيضانات.

 

في المقابل، تواجه الإدارات المحلية والجهات المعنية في مناطق شمال وشرق سوريا تحديات كبيرة في التعامل مع الأزمة الحالية، سواء عبر تعزيز إجراءات الحماية على ضفاف النهر أو محاولة الحد من الخسائر الزراعية والبشرية. كما تتصاعد الدعوات لإيجاد آلية دولية تضمن إدارة عادلة ومستقرة لمياه الفرات، بعيداً عن التجاذبات السياسية والصراعات الإقليمية.

 

ومع استمرار التغيرات المناخية وارتفاع معدلات الجفاف في المنطقة، بات ملف المياه أكثر حساسية من أي وقت مضى، خصوصاً مع ارتباطه المباشر بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وبين فترات انخفاض المياه وارتفاعها المفاجئ، يبقى سكان المناطق الواقعة على ضفاف الفرات أمام واقع هش تتحكم به قرارات سياسية تتجاوز حدود الجغرافيا السورية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.