NORTH PULSE NETWORK NPN

سوريا بين الدولة والجماعة.. الطحان مثالاً

 

 

محسن عوض الله

شهدت سوريا خلال الساعات القليلة الماضية تعيينات جديدة على مستوى القيادات الأمنية رفيعة المستوى، شملت تعيين أنس خطاب مديراً لمكتب الأمن الوطني، مع احتفاظه بمنصبه وزيراً للداخلية، وحسين السلامة معاوناً لمدير مكتب الأمن الوطني، وعبد القادر الطحان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة، وملهم الشنتوت معاوناً لوزير الداخلية للشؤون الأمنية.

وبعيداً عن أهمية هذه المناصب جميعها، فإن ما استوقفني كثيراً هو تعيين عبد القادر الطحان رئيساً للاستخبارات العامة، بالنظر إلى حساسية المنصب وتأثيره، ليس داخل سوريا فقط، وإنما في علاقات دمشق الأمنية مع محيطها العربي والإقليمي والدولي.

الطحان، الذي ربما لا يعرفه كثيرون، يحمل خلفه مسيرة طويلة داخل المشهد المسلح والأمني الذي تشكل خلال سنوات الحرب السورية. مسيرة بدأت مع الأيام الأولى للثورة عام 2011، ومرت بمحطات متعددة بين الفصائل المسلحة والجماعات الجهادية، قبل أن تنتهي به في واحد من أكثر المناصب حساسية داخل الدولة.

وبحسب ما نشرته وسائل إعلام، بدأ الطحان نشاطه مع انطلاق الثورة السورية، وشارك في تحركاتها الأولى. وفي عام 2012، أسس ما تسمى كتيبة القدس، التي توسعت لاحقا وتحولت إلى كتائب القدس الإسلامية، ليعرف داخل الأوساط المسلحة باسم أبو بلال قدس.

وخاضت الكتائب التي قادها معارك في ريفي حلب الجنوبي والغربي، وشاركت في عمليات عسكرية ضمن ما تسمى غرفة عمليات خان العسل. وفي مايو 2015، انضمت إلى ما تعرف بغرفة عمليات فتح حلب، قبل أن تلتحق بصفوف ما يسمى جيش الفتح، وتشارك في معارك السيطرة على معسكر المسطومة في ريف إدلب.

وفي يوليو/ تموز من العام نفسه، اتخذ مسار الطحان منعطفاً أكثر حساسية، بعدما انضمت الكتائب التي كان يقودها، إلى ما تسمى جبهة النصرة الإرهابية، التي تحولت لاحقاً إلى جبهة فتح الشام، ثم هيئة تحرير الشام.

ومنذ ذلك الوقت، لم يعد نشاطه عسكرياً بالدرجة نفسها، إذ بدأ ينتقل تدريجياً إلى العمل الأمني، وأسهم، وفقاً للتقارير المنشورة، في تأسيس جهاز الأمن العام في مناطق سيطرة الجماعة شمال غرب سوريا.

خطورة القرار أن الرجل الذي أمضى سنوات داخل جماعات مسلحة ذات خلفية جهادية، وتبنى أفكارها وأيديولوجيتها، وكان في مرحلة من المراحل موضع اهتمام وملاحقة من أجهزة استخبارات دولية، أصبح اليوم مسؤولاً عن جهاز الاستخبارات العامة في سوريا.

قد يقول قائل إن الأمر منطقي، بل ربما يكون من بديهيات السياسة، أن يستعين الرئيس برجاله والمقربين منه، خصوصاً في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد.

فالشرع يعرف الطحان، ويدرك قدراته، ويعرف تاريخه، ومن ثم قد يرى أن الاستعانة به داخل مؤسسة أمنية حساسة أمر طبيعي، خصوصاً أن المراحل الانتقالية تحتاج إلى أشخاص تثق بهم القيادة، ولا تحتاج إلى شخصيات مجهولة بالنسبة إليها أو غير مضمونة الولاء.

لكن البعض الآخر قد يرى أن هذه القاعدة يمكن أن تنطبق على كثير من مؤسسات الدولة، باستثناء الاستخبارات؛ فهذا المنصب لا يتعلق بإدارة ملفات داخلية فحسب، ولا يقتصر على التعامل مع القضايا الأمنية المحلية؛ خاصة أن رئيس جهاز الاستخبارات يتعامل مع أجهزة نظيرة في دول عربية وإقليمية ودولية، ويدخل بحكم منصبه في ملفات تبادل المعلومات، والتنسيق الأمني، ومكافحة الإرهاب، وهي ملفات لا تحتمل كثيراً من الشكوك أو علامات الاستفهام.

ويطرح البعض أسئلة مثل كيف ستتعامل أجهزة الاستخبارات العربية مع رئيس جهاز أمني كان في وقت سابق جزءاً من جماعة جهادية؟ وهل تستطيع العواصم الإقليمية تجاوز هذا الماضي، والتعامل مع الطحان باعتباره ممثلاً رسمياً للدولة السورية الجديدة؟

وكيف ستبنى قنوات تبادل المعلومات بين دمشق وهذه العواصم؟ وهل ستتعامل الأجهزة الأمنية مع الرجل الجديد على أساس موقعه الحالي، أم ستظل خلفيته السابقة حاضرة في كل ملف وكل اتصال وكل معلومة؟

هذه أسئلة مشروعة، ولا تتعلق بالرغبة في محاكمة الرجل على ماضيه بقدر ما تتعلق بطبيعة المنصب الذي يشغله اليوم.

والأمر لا يتوقف عند الشأن الخارجي، ففي الداخل السوري، قد تكون الأسئلة أكثر حساسية. فالطحان لم يأتِ من خلفية سياسية أو إدارية بعيدة عن الصراع، بل كان جزءاً من المشهد المسلح منذ بدايته، وتنقل بين جماعات وفصائل خاضت معارك طويلة، بعضها ارتبط بتجارب تركت جراحاً عميقة لدى قطاعات واسعة من السوريين.

ومن ثم، فإن الاختبار الأصعب أمامه لن يكون فقط في إدارة جهاز أمني قوي، وإنما في إثبات قدرته على الانتقال من عقلية الفصيل إلى عقلية الدولة.

ربما ما يجب أن يدركه الشرع ورجاله أن الدولة السورية لا يمكن أن تُدار بمنطق الغلبة، أو الولاء السابق، أو الانتماء التنظيمي. سوريا ليست جماعة واحدة، ولا فصيلاً واحداً، ولا طائفةً واحدة.

سوريا بلد متعدد المكونات، خرج من حرب طويلة خلفت قدراً هائلاً من الشك والخوف والانتقام. وفي مثل هذه الظروف، يمكن لجهاز الاستخبارات أن يكون أداة لبناء الدولة وحمايتها، لكنه يمكن أيضاً أن يتحول إلى مصدر جديد للخوف، يعيد إلى أذهان السوريين ذكريات أليمة عاشوها خلال سنوات حكم البعث، حين تغولت الأجهزة الأمنية، وتداخلت مع السياسة والمجتمع والحياة العامة.

ولهذا، فإن المشكلة في النهاية ليست في تعيين عبد القادر الطحان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة السورية، بقدر ما تكمن في قدرته على الخروج من عباءة هيئة تحرير الشام، والانتقال فعلاً إلى عقلية الدولة السورية الجامعة لكل أطيافها ومكوناتها. وهو الاختبار الذي يرى قطاع كبير من السوريين أن حكومة الشرع لم تنجح فيه حتى الآن.

فهل يكون عبد القادر الطحان استثناءً؟ هل ينجح الرجل في الانتقال من رجل جماعة إلى رجل دولة، أم يواصل رجال الشرع السقوط في اختبار الدولة؟

الأيام وحدها تملك الإجابة.. فلنصبر وننتظر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.