ناقشت ورشة حوارية عُقدت اليوم في حديقة مشوار بحي تل حجر بمدينة الحسكة، واقع اللغة الكردية وسبل تطوير تعليمها، في ظل القرارات الصادرة مؤخراً عن الحكومة الانتقالية السورية، وذلك بمشاركة طلاب ومعلمين ومعلمات وحقوقيين.
وتناولت الورشة المرسوم رقم 13 الصادر عن الحكومة الانتقالية، حيث قدّم الحقوقي محمد أمين داود معمو قراءة لبنوده، موضحاً ما يتضمنه من نقاط وما يعتريه من نواقص، وفي مقدمتها عدم الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية. وفي المقابل، أشار إلى أن ما ورد في المرسوم يمكن اعتباره بداية يمكن البناء عليها مستقبلاً، وصولاً إلى معالجة قضية اللغة ضمن الإطار الدستوري.
وشكّل واقع الحصص المخصصة لتعليم اللغة الكردية محوراً أساسياً في النقاش، حيث أكدت عضوة لجنة إدارة العلاقات في اتحاد المعلمين، نسرين رشك، أن تخصيص ثلاث حصص أسبوعية للغة الكردية لا يلبي احتياجات الطلاب، ولا ينسجم مع متطلبات العملية التعليمية باللغة الأم.
وأوضحت رشك أن انتقال الطالب من مسار تعليمي تلقى خلاله المواد باللغة الكردية إلى دراسة المواد باللغة العربية قد يؤدي إلى حدوث فجوة تعليمية، ولا سيما لدى الطلاب الذين اعتادوا تلقي المناهج والتفاعل مع العملية التعليمية باللغة الكردية.
وشددت على ضرورة ضمان حق الطلاب في التعلم بلغتهم الأم، إلى جانب العمل على معالجة المواقف الإقصائية تجاه اللغة الكردية، وتغيير الذهنيات التي تقوم على التمييز أو النظرة الشوفينية تجاه الكرد ولغتهم، بما يساهم في بناء بيئة تعليمية أكثر شمولاً وتقبلاً للتنوع اللغوي.
وخلال الورشة، عرض عدد من الطلاب الذين التحقوا بالمدارس حديثاً بعد صدور القرار تجاربهم داخل المؤسسات التعليمية، متحدثين عن تعرضهم، وفق إفاداتهم، لمضايقات واعتداءات من بعض المعلمين والطلاب على خلفية إطلاق شعارات تطالب بالاعتراف باللغة الكردية.
وطالب الطلاب بمحاسبة من يثبت تورطه في تلك الاعتداءات، ووضع حد للممارسات التي يرون أنها تكرّس الإقصاء داخل البيئة التعليمية، مؤكدين أن المطالبة بتعلم اللغة الأم والاعتراف بها ينبغي أن تُناقش ضمن الأطر التعليمية والقانونية والحوارية.
ولم تقتصر الورشة على تشخيص واقع التعليم باللغة الكردية، بل انتهت إلى مجموعة من التوصيات التي ركزت على اعتماد الحوار كمسار لمعالجة الإشكالات المرتبطة بالسياسات التعليمية واللغوية.
ودعت التوصيات إلى فتح حوار مباشر مع وزارة التربية حول القرارات المتعلقة بتعليم اللغة الكردية، وإشراك الأطراف المعنية بالعملية التعليمية، من معلمين وطلاب وأولياء أمور وحقوقيين، في صياغة السياسات والقرارات التي تمس مستقبل التعليم واللغة.
كما طالبت بإعادة النظر في عدد الحصص المخصصة للغة الكردية، وتشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن وزارة التربية والمعلمين والأهالي والطلاب والجهات الحقوقية المختصة بالتعليم متعدد اللغات، بهدف دراسة واقع التعليم اللغوي ووضع مقترحات قابلة للتطبيق.
وأوصت الورشة كذلك بالاستفادة من تجارب الدول والمجتمعات التي تعتمد أنظمة تعليم متعددة اللغات، والاستناد إلى تلك التجارب في تطوير نموذج تعليمي يراعي التنوع اللغوي والثقافي في سوريا.
وأكدت التوصيات في ختامها ضرورة ضمان حق الطلاب في تعلم لغتهم الأم، بالتوازي مع الحفاظ على حقهم في تعلم اللغة العربية وغيرها من اللغات، بما يتيح للطلاب اكتساب الكفاءة اللغوية المطلوبة دون أن يكون ذلك على حساب لغتهم الأم.
وتعيد هذه الورشة قضية اللغة الكردية إلى صلب النقاش حول مستقبل العملية التعليمية في سوريا، في ظل الحاجة إلى سياسات لغوية تستند إلى الحوار ومشاركة الأطراف المعنية، بدلاً من القرارات المنفردة، بما يضمن معالجة الخلافات التعليمية بصورة تشاركية تراعي التنوع اللغوي وحقوق الطلاب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.