NORTH PULSE NETWORK NPN

المرأة السورية بين عالمين متناقـ.ـضين.. أدوار بطولية في شمال وشرق سوريا وتغـ.ـييب في مناطق السلـ.ـطة

 

 

أظهرت دراسة جديدة تدعمها هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء يُمثلن 26% فقط من مواضيع ومصادر الأخبار، مما يظهر غياباً صارخاً في البث التلفزيوني والإذاعة والصحافة المطبوعة. وقالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة إن النساء يشكلن نصف سكان العالم، ومع ذلك، لا يمثلن سوى ربع من يُرَى أو يُسمَع صوتهن في الأخبار، مضيفة أن هذه الإحصائية لم تتغير تقريباً في السنوات الخمس عشرة الماضية، مع تغيير طفيف قدره 9 نقاط فقط في 30 عاما. ولفتت إلى أن العنف القائم على النوع الاجتماعي بالكاد يظهر في الأخبار، على الرغم من تأثيره على نصف سكان العالم، حيث إن أقل من 2 من كل 100 قصة تغطي الإساءة التي تتعرض لها الكثير من النساء. وقالت كيرسي مادي، نائبة المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة «عندما تكون النساء غائبات، تصبح الديمقراطية غير مكتملة»، داعية إلى «إعادة نظر جذرية لتمكين وسائل الإعلام من القيام بدورها في تعزيز المساواة. فبدون أصوات النساء، لا وجود لقصة كاملة، ولا ديمقراطية عادلة، ولا أمن دائم، ولا مستقبل مشترك». وتواجه المرأة السورية أوضاعاً مشابهة، وتؤكد الباحثة “ميادة سفر” إن ناشطاتٌ سورياتٌ يخشين اليوم أن تقمع حريتهنّ عموماً، وحريتهن السياسية خصوصاً، كما قمع الشعب السوري في الخمسين سنة الماضية، وحرم من حرية الرأي. وأشارت سفر في مقال نشره موقع “العربي الجديد” إلى أنه على الرغم من أنّ الإعلان الدستوري نصّ في مادته العاشرة «المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب»، إلا أنّ المساواة التي لطالما ناضلت المرأة في سوريا في سبيلها لم تتحقق، ويبدو أن الهيمنة الذكورية على مجلس الوزراء سوف تنسحب على عضوية مجلس الشعب المزمع تعيين بعض أعضائه وانتخاب آخرين. وأوضحت أن حضور المرأة في اللجنة العليا للانتخابات اقتصر على سيدتين من أصل 11 عضواً، جاءت النسبة التي حدّدها النظام الانتخابي ب 20% لحصر النساء في أعداد محدّدة لا تشكل ثقلا مقابل الحضور الذكوري، مع التأكيد على احتمال أن يكنَّ صوتاً مضافاً للسلطة تحت قبة البرلمان، على اعتبار أن «لا ترشيحات مستقلة ولا انتخابات حرّة سوف تجري، وإنما تعيينات بأشكال جديدة». يأتي ذلك في سياق واقع يعكس الحالة الأفغانية في سوريا على الأقل في المستوى الاعلامي ومشاركة المرأة في الحياة السياسية، في سياق سياسة السلطة الرامية إلى أسلمة المجتمع السوري وفقاً لإيديولوجيا محافظة يتجلى ذلك في الشعائر الدينية التي شهدها معرض دمشق الدولي وفي الجامعات والجوامع والشوارع من خلال سيارات الدعوة.

 

ويرى مختصون في التاريخ السياسي إن المرأة السورية غابت أو تكاد عن الحياة السياسية عقوداً، على الرغم من أنها من أوائل اللواتي حصلن على حق الترشّح والانتخاب، حيث غيّبت حتى عن المؤتمرات واللجان التي تناقش قضاياها والقوانين التي تمسّها مباشرة، فالتهميش الذي أصاب مشاركة المرأة في الحياة السياسية انعكس ضعفاً على دورها في صياغة التشريعات والقوانين، فلم تُعط الدور الفاعل والتمثيلي في المجالس واللجان، لتعبّر عن إرادة نصف المجتمع. على سبيل المثال، لمناقشة قانون الأحوال الشخصية الذي يعني المرأة مواطنةً أولاً، تشكّلت لجان كل أعضائها من الرجال، وإن وجدت بينهم امرأة فهي تكملة عددٍ، لا يقدّم صوتها ورأيها ولا يؤخّر، عدا عن الانتهاكات التي تتعرض لها من عمليات خطف واستعباد جنسي والعمل مقابل أجور رخيصة أو الحبس المنزلي والتعرض للتنمر الذكوري الذي تشتهر به الفصائل المسلحة وفقاً للواقع الذي تعيشه المرأة الآن في مناطق سيطرة سلطة دمشق.

 

وعند التوجه نحو الشمال الشرقي من سوريا يبدأ عالم آخر مختلف تعيشه المرأة، متناقض تماماً مع ما تعيشه المرأة في مناطق سيطرة السلطة، حيث يشير الواقع المُعاش في إقليم شمال وشرق سوريا إلى تمتع المرأة بحقوق متساوية مع الرجل في المجالات السياسية والإدارية والعسكرية، ويبدو أنها تعيش وضعاً استثنائياً مقارنة بوضع المرأة في باقي المناطق السورية وحتى مع وضعها في الدول المجاورة، وعلى الرغم من ذلك لا يمثلن سوى ربع من يُرَى أو يُسمَع صوتهن في الأخبار في وسائل الاعلام السورية والإقليمية، باستثناء بعض وسائل الاعلام في إقليم شمال وشرق سوريا. وتؤكد نوروز مسلم، نائبة رئيسة هيئة المرأة في الإدارة الذاتية على أن المرأة في شمال وشرق سوريا غيرت المفاهيم وأثبتت نفسها في المجال «العسكري والسياسي والدبلوماسي»، وسجلت ملاحم بطولية في محاربة التنظيمات الإرهـابية على مدار سنوات. وأشارت إلى أن الإدارة الذاتية اعتمدت مبدأ الرئاسة المشتركة بنسبة 50 في المئة للمرأة، بالإضافة إلى اضطلاع المرأة المقاتلة في شمال وشرق سوريا بدورٍ محوري في حماية السكان، لاسيما في المخيمات التي تشهد نشاط خلايا مرتزقة داعش.

 

وتشير التقارير الاعلامية إلى أن المرأة تلعب دوراً مزدوجاً يجمع بين البعد الأمني والإنساني في سياق مبادئ العدالة وحماية المدنيين، يتجسد ذلك بشكل واضح من خلال مشاركتها في وحدات حماية المرأة (YPJ) وقوى الأمن الداخلي -المرأة. ففي المرحلة الرابعة من عملية “الإنسانية والأمن” في مخيم الهول شرق الحسكة التي انطلقت يوم الجمعة بدعم من قسد والتحالف الدولي، تشارك المرأة المقاتلة في وحدات حماية المرأة وقوى الأمن الداخلي – المرأة، بفاعلية في هذه العملية الأمنية ضمن المخيم وخاصة في قسم المهاجرات، في مشهد يجسد واقع المرأة بين عالمين متناقضين، عالم الديمقراطية وعالم داعش. وفي هذا السياق قالت القيادية في وحدات حماية المرأة، بيريتان حسكة، لوكالة “هاوار”، أن إطلاق المرحلة الرابعة بريادة المرأة يعكس الدور الأساسي والفاعل للنساء في مواجهة الفكر المتطرف، مؤكدة أن مهام وحدات حماية المرأة لا تقتصر على حماية النساء في شمال وشرق سوريا فقط، بل تشمل الدفاع عن النساء حول العالم، وذلك بالتصدي للذهنية المتشددة والظلم. وأوضحت بريتان أن وحدات حماية المرأة تلعب دوراً ريادياً في هذه الحملة، مشيرة إلى أن العديد من النساء داخل المخيم يعتنقن أفكاراً متشددة ويسعين إلى نشرها بين الأطفال وبناء ما يسمى بـ “أشبال الخلافة”. أما المرأة في الطرف المقابل فقد ردت بالحجارة على محاولات تحريرها من القيود التي فرضها تنظيم داعش عليها.

 

ويرى مراقبون أن وضع المرأة السورية يشكل بعداً للأزمة السورية، ويعتبر ضمان حقوقها إحدى النقاط الخلافية في التفاوض بين الإدارة الذاتية وسلطة دمشق التي تجد صعوبة في فكرة تقبل ممارسة المرأة لأدوار قيادية في إدارة البلاد بسبب الخلفية الفصائلية والإسلامية للزعماء الجدد في دمشق، بالإضافة إلى رفض دمج وحدات حماية المرأة وأساييش المرأة في المؤسسة العسكرية والأمنية السورية التي يقود بعضها مقاتلون أجانب وعناصر متهمة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، عدا أن ذلك يفرض التحول الديمقراطي في البلاد. من جانب الإدارة الذاتية يؤكد مسؤوليها على أن حقوق المرأة ووضعها السياسي والعسكري والإداري خط أحمر ولا يمكن تحقيق الدمج بدون ضمان كامل حقوق المرأة في مشهد يؤكد على وجود عالمين متناقضين تعيشه المرأة السورية، وصفها أحد الناشطين «بعالم المرأة وعالم اللامرأة»…

 

نورث بالس

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.