NORTH PULSE NETWORK NPN

العشائر العربية في سوريا.. إرث من الكرم والنخوة بين التحديات السيـ.ـاسية والسلم الأهلي

 

يبرز في النقاشات العامة السورية خلال المرحلة الراهنة تصاعد الحديث عن موقع العشائر العربية ودورها، في مقابل مواقف متباينة تصدر عن أبناء المدن الكبرى، ولا سيما دمشق وحلب ومدن الساحل والوسط. وتشير آراء متداولة في الأوساط المدنية إلى رفض واضح لربط المشهد السوري بالعشائر بوصفها قوة اجتماعية أو سياسية جامعة، مع التأكيد على أن هذا الرفض لا يستهدف الأفراد بقدر ما يعكس مخاوف من إعادة إنتاج أنماط صراع قديمة تقوم على التعبئة العشائرية بدل منطق الدولة والمواطنة.

 

ويرى أصحاب هذه المواقف أن العشائر العربية، بحكم توزعها الجغرافي وتركيبتها الاجتماعية، لا تمتلك اليوم حاضنة وطنية واسعة أو حماية فعلية داخل المدن السورية الكبرى، وأن علاقاتها الأكثر استقرارا تاريخيا كانت مع جيرانها من الكرد، حيث تشكلت عبر العقود أشكال من الشراكة اليومية والتعايش القائم على المصالح المشتركة وروابط الجوار، بعيدًا عن الصدامات الواسعة. ويُستحضر هذا الواقع للتأكيد على أن أي محاولة لزج العشائر في صراعات مع مكونات سورية أخرى تتناقض مع خبرتها الاجتماعية الفعلية ومع مصالحها المباشرة.

 

في المقابل، يحرص كثير من المتحدثين من أبناء المدن ومن داخل العشائر نفسها على الفصل بين الموقف السياسي وبين النظرة إلى القيم الاجتماعية الأصيلة التي تمثلها العشائر العربية. فهذه العشائر، بحسب هذا الطرح، تحمل إرثا غنيًا من الكرم والنخوة والتكافل الاجتماعي وحماية الضعيف، وهي قيم ساهمت تاريخيا في حفظ التماسك الاجتماعي في مناطق واسعة من سوريا. ويؤكد هؤلاء على ضرورة نبذ الصور النمطية التي تربط العشائر بثقافة الغزو أو السلب أو العنف، معتبرين أن مثل هذه التوصيفات اختزالية وظالمة، ولا تعكس الواقع الاجتماعي المعقد ولا التحولات التي شهدتها المجتمعات العشائرية عبر الزمن.

 

ويحذر من مخاطر الاستغلال السياسي المتكرر للعشائر العربية، مستندا إلى قراءة تاريخية تشير إلى أن هذه المكونات الاجتماعية وقعت مرارًا في فخ التوظيف من قبل السلطات المتعاقبة. فخلال العهد العثماني، ثم في ظل نظام البعث، جرى استخدام العشائر كأدوات في صراعات النفوذ وضبط الأطراف، دون منحها حقوقا سياسية أو تنموية حقيقية. ويرى مراقبون أن هذا النمط مهدد بالتكرار في المرحلة الراهنة، من خلال محاولات تحريض أبناء العشائر العربية على الانخراط في اقتتال مع مكونات أخرى مثل الكرد والدروز والعلويين، في سياق صراعات السلطة وإعادة تشكيل المشهد السياسي.

 

وتخلص هذه المقاربة إلى أن استمرار هذا المسار لا يهدد العشائر وحدها، بل ينعكس مباشرة على السلم الأهلي الهش، ويعمق الانقسامات المجتمعية على أسس ما قبل وطنية. ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن حماية العشائر العربية، كما حماية باقي المكونات السورية، لا تكون عبر الزج بها في صراعات الآخرين، بل عبر إدماجها في مشروع وطني جامع يقوم على المواطنة المتساوية، واحترام التنوع، ورفض التحريض المتبادل، بما يفتح الباب أمام استقرار حقيقي ومستدام في البلاد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.